: آخر تحديث

المضمار الذي لا يُرى

17
16
13
مواضيع ذات صلة

تُعتمد المؤشرات اليوم منهجياً لقياس أداء المشروعات والاستراتيجيات بما في ذلك قياس التنمية على مستوى الدول، وأصبح لدى كل جهة اليوم مؤشر يقيس بدرجة أو بأخرى أداءها مقارنة بالجهات التي في مجالها، وكما أن لهذه المؤشرات ميزات فإن لها عيوباً لا بد من تحاشيها، وكان لنا في فترة سابقة في المملكة إشكالات مع جهات استهدفت بعض المؤشرات استهدافاً شديداً عرضها للنقد محلياً وعالمياً، وما تعلمناه من تلك التجربة -وأرجو أن نكون قد تعلمناه حقاً- أن علينا أن نصنع مكاننا في العالم بالنظر لما هو أبعد من المؤشرات.

لليابان تجربة شهيرة تدعو للتأمل، تصلح مثالاً للموقف المناسب من المؤشرات، ابتكر وليم ديمنغ بعد الحرب العالمية الثانية وسيلة جديدة لقياس جودة الإنتاج وتحسينه، ورغم ما يقال إن منهجيته لم تلق ترحيباً في الولايات المتحدة، فقد انتقل في مهمة إلى اليابان لمساعدة القوات الأميركية في معالجة مشكلات البنية التحتية التي تعانيها القوات هناك، ورغم أن مهمة ديمنغ خاصة بالقوات الأميركية، إلا أنها لاقت ترحيباً كبيراً من نقابة العلماء والمهندسين في اليابان. وفي فترة وجيزة، تبنت الصناعة اليابانية أفكار ديمنغ حيث درب آلاف المهندسين والإداريين الذين طبقوا مبادئ الجودة الشاملة التي أدت إلى تقليل التكلفة مع الحفاظ على الجودة وزيادة القوة الإنتاجية، في غضون عقد تمكنت الصناعة اليابانية من غزو العالم بالمنتجات والعودة مجدداً إلى العالم قوة صناعية لا تجارى، كانت العبرة من قصة ديمنغ أن الصناعة الأميركية لم تستفد من الأفكار التي خرجت من عباءتها، لتعود لها بعد أن سافرت آلاف الأميال في هجرة عكسية، إنما للقصة عبرة أخرى تهمنا نحن ويجدر بنا أن ندركها.

كانت مؤشرات التنمية التي نعرفها اليوم غير شائعة ذلك الوقت، إنما كانت اليابان مطلعة بعمق على مؤشرات الصناعة الأميركية حينها، بما في ذلك المنهجيات الحديثة التي جاء بها ديمنغ. فلم تفد اليابان المنهجيات الشائعة في أميركا، تلك التي تتبعها الشركات الرائدة هناك، إنما وعي اليابانيين الكامل بالموجة القادمة أو ما وراء المنعطف هو الذي حقق لهم التقدم الذي أحرزته صناعتهم، وإذا نظرنا إلى مؤشرات اليوم، وما نجده من تفاوت في جودتها، والفوائد التي ترجى منها قلت أو كثرت، فإن علينا ألا ننسى أن سباقاً حقيقياً آخر يجري الإعداد له في مكان ما ولم يبدأ بعد، فقد جرت اليابان في مضمار الجودة وحدها قبل يتفطن أحد أن سباقاً جديداً قد انطلق حقاً، ولأننا على ثقة أن مستوى التنمية في المملكة اليوم أكثر مما كانت عليه اليابان وقتها بمراحل، فإن علينا أن نغير منظورنا للسباق العالمي تغييراً جذرياً، بأن نبدأ بالركض في مضامير جديدة لا يراها أحد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد