: آخر تحديث

متى يتحقّق حلم فِيلّا مِيديسِيس عربية؟

12
13
13
مواضيع ذات صلة

نجد في كثير من بلدان العالم، أماكن تشبه الواحات الهادئة، يجد فيها الكاتب، خاصة المبدع، ضالته، لتفجير موهبته الخلاقة، لإنتاج نصوص كبيرة، ومسرحيات مميزة، ولوحات تنعكس فيها ظلال المكان.

أتحدث هنا عن الإقامات الكبيرة التي تلعب دوراً حاسماً في تسويق صورة أخرى للبلد تكون متخفية تحت ركام الأحداث المتعاقبة والدامية، مثل حالة العالم العربي بظروفه الصعبة، وهذا لا يعني صناعة صورة كاذبة، ولكن العمل على إيقاظ الإنسان المدفون تحت ركام الحروب الأهلية القاهرة، حين كان الشرق مرجعاً للكثير من الرحالة العالميين والكتاب. مثل هذه الواحات الاستراتيجية ثقافياً غير متوفرة في البلاد العربية اليوم، بل إن العالم العربي غير معني بها.

إن تكسير الصور النمطيَّة للمكان جزء من مهامها الأساسية، إذ توفر صوراً جديدة تتخطى حاضراً صعباً، وتوجد السبل الموضوعية لقراءة أخرى غير تلك المهيمنة إعلاميّاً، العالم العربي مثلاً لا ينتج «إرهاباً» فقط، ولكنه يملك أيضاً القدرة على إنتاج الجمال والمعرفة، وكل ما يجعل إنسانية الإنسان تستيقظ وتتفتح.

أن تدعو مثل هذا المؤسسات مجموعة كتاب عالميين يشكلون صوتاً إنسانياً وإبداعياً مركزياً، يملكون القدرة على تغيير الرؤى المهيمنة التي كثيراً ما تكون ظالمة، كما حدث مع إقامات الإبداع العالمية الكبيرة كما في اليابان، وبلجيكا، والبرازيل، والفيتنام، الأرجنتين، وغيرها، وتكون هذه الإقامات، في أغلب الأحيان أماكن تاريخية، وبيوتاً معروفة، لها تاريخ محلي وإنساني، كانت تستعمل لاستقبال التجار العابرين في مسالك طريق الحرير كما في الصين، أو قصوراً مهملة أعيد تأهيلها لهذا الغرض، ومنحت لها الحياة من جديد، رمزيتها تؤهلها لغواية الكتاب والفنانين العالميين للمجيء والكتابة عنها، أو عما يحاذيها.

فيلا ميديسيس، ميديسي بالإيطالية، في فرنسا وإيطاليا لعبت وتلعب سنوياً هذا الدور المهم، وهي تشكل اليوم نموذجاً حياً للإقامات الإبداعية، التي تستقبل سنوياً كبار المنتجين فنياً وإبداعياً وثقافياً. تأسست هذه الفيلا في سنة 1666، سميت لاحقاً بالأكاديمية الفرنسية في روما، بعد حملة نابليون بونابرت على إيطاليا، الذي اشتراها وحولها إلى أكاديمية فرنسا في روما، وهي مركب معماري نهضوي شامخ، تحتوي على حدائق سبعة هكتارات، على رأس جبل بينشيو.

والفيلا اليوم، إقامة ثقافية منتجة وحية للمبدعين من كل التخصصات الفنية، تستضيف 16 محظوظاً بناء على ملفات متينة حول منجزهم، لمدة 12 شهراً يتفرغون فيها لتجسيد مشاريعهم، واللقاء مع الجمهور في محاورات عميقة، وهو ما يجعل الإقامة مساحة أيضاً للسجال الثقافي وفهم الآخر، دون مسبقات اختزالية، حتى جنسية المرشح غير مطلوبة، سوى تمايز منجزه وإنسانيته. فمتى ننجز إقامة إبداع على أرضنا، تكون بمثابة إقامة عربية للإبداع؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد