: آخر تحديث

ثقافة الصورة

12
12
10
مواضيع ذات صلة

التنافس الحاد في سباق المسلسلات، ضمن شهر رمضان وخارجه، ظاهرة كبرى تدل إلى أي مدى دخلنا حقبة «الصورة» بديلاً للكلمة. لسنا الأوائل في ذلك؛ سبقتنا أميركا وأوروبا والروس الذين كانوا الأكثر قراءة بين الشعوب قبل أن «يستغربوا» مثل سواهم.
كان متوقعاً منذ عقود أن تقوم هذه الحرب الطاحنة بين الصورة والحبر، الجريدة والتلفزيون، المقال والمشهد. لكن أحداً لم يكن يتخيل أن يكون انتصار الصورة كاسحاً إلى هذا الحد، وأن تصبح هي الناقل الأول للحدث والحرب والترفيه والمشاهير.
لقد انتصر الاستعراض، وانحسرت الثقافة بعيداً، وفي شكلٍ طاغٍ.
كان أفلاطون يخشى تأثير «الاستعراض» على الناس لأنه يقدم الحواس على العقل، ويخشى أن تؤدي العاطفة إلى إلغاء المنطق. يقول الكاتب دانييل بورستن إن الأميركيين أصبحوا يعيشون في إمبراطورية الأوهام لأن كل شيء يصل إليهم من خلال «العرض»، فـ«الأوهام هي أخبارنا، وهي أبطالنا، وهي مغامراتنا، وهي تجاربنا».
الأنظمة التي تمنع عنك الأخبار تماماً كالتي تغرقك بها؛ كلاهما يؤثر -كما يريد- في تكوين نظرتك إلى الأشياء. وأنت عرضة للتأثر مهما كانت قدرتك على التمييز أو مدى وعيك. معظم المرشحين للرئاسة الأميركية سقطوا بسبب الصورة، الانطباع. وكذلك الذين فازوا، من جون كيندي إلى رونالد ريغان. في الإليزيه الآن موظف له مهمة واحدة: هندام الرئيس.
لا يقلل من قيمة نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعلاء الأسواني أن السينما لعبت دوراً مهماً في شهرتهم؛ لقد أوصلتهم الصورة إلى جمهور كبير بعيد عن القراءة. والأمر نفسه وقع لكتاب الغرب الكبار. وليس صحيحاً أن الشعب العربي وحده لا يقرأ؛ المسألة نسبية جداً، ووفقاً للنظرية فإن جميع الشعوب لا تقرأ. شعب أقل أو أكثر من آخر.
غيرت «ثقافة الصورة» حياتنا شيئاً فشيئاً، فلم ننتبه إلا وقد طغت طغياناً كاملاً. هي التي تقودنا إلى ما نأكل، وإلى ما نلبس، وإلى ما يصح. بعد نحو عام من حجْر «كورونا»، اكتشفتُ أنني أصبحت أسير البرامج السياسية، الممتازة والتافهة، وأنني أقرأ في الصحف أخبار نجمات «التوك توك»، وأستمع بصبر إلى سياسيين غير محترمين وغير صادقين.
الحمد لله أنني شفيت منذ رفع الحجْر. لكن الشفاء، بعكس الوباء، ليس عاماً.
يقول إحصاء أميركي إن ثلث الذين يتخرجون من الثانوية العامة لا يقرأون كتاباً بعد ذاك طوال حياتهم، و42 في المائة من خريجي الكليات أيضاً. وفي كندا، تتشابه النسب نفسها. في المقابل، يشاهد الأميركي ما مجموعه شهران متواصلان من التلفزيون كل عام. وعندما يبلغ سن التقاعد في الخامسة والستين، يكون قد أمضى تسع سنوات كاملة أمام الصورة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد