: آخر تحديث

ورّاق الخسارات الكبرى

7
5
6
مواضيع ذات صلة

عندما انتهيت من قراءة «دفاتر الورّاق» للروائي المميز جلال برجس، وقفت حائراً طويلاً أتأمل التاريخ العربي وأتساءل عن سر هزيمة ثلاثة أجيال متعاقبة، الجد محمود الشموسي، الابن جادالله، والحفيد إبراهيم، هل قدرها أن تورث الهزيمة تلو الهزيمة؟ وهل سبب انهياراتها الآخر أم من بنيتها التي فرضتها الظروف وقسوة الحياة والأنظمة البليدة؟ من الإقطاع وتدميره للروح، إلى جيل الخيبات والهزائم والعزلة، إلى جيل الجنون، الذي انغلقت أمامه كل سبل الحياة فعاش داخل عالم افتراضي، أو هرب نحو غرب بحثاً عن حياة ممكنة لم تكن موجودة إلا في أذهان من اختار ذلك المسلك، وهو ما يجعل هذه الرواية، نصاً سياسياً بامتياز.

عاش محمود الشموسي فقراً قاسياً بعد أن أفرغه الإقطاع من الداخل، وحوله إلى كائن مهزوم، ولم تكن سنتا 1948 و1967 إلا علامتين للخوف والهزيمة وانهيار أنظمة كارتونية كاذبة: خسران فلسطين، والهزيمة العربية.

وعلى الرغم من ذلك، فهو يرى في ابنه جادالله حلماً لا يموت، فيرفض أن يسرق هذا الحلم، ولا يتردد في أن يطلق النار على ابنه عندما يعود من موسكو لأنه اختار الفلسفة والشيوعية، بينما كان يريده طبيباً.

لكن جادالله لا يخرج عن الهزيمة الشمولية في سجنه الثاني، لا يخرج جادالله إلا بعد أن اشتريت منه حريته، معيداً بذلك إنتاج صمت والده محمود الشموسي.

إبراهيم الذي بُنيتْ الرواية عليه، اختلف كليّاً عن جده ووالده، يجد راحته داخل أوهام القراءة، يتنقل بين مصطفى سعيد، وسعيد مهران، وكازيمودو، والدكتور جيفاغو وغيرهم.

أخوه يهاجر نحو الغرب على متن قوارب الموت بحثاً عن حياة أخرى ليست في النهاية إلا انتحاراً مقنّعاً، هارباً من حياة مريضة فرضها أب ضحية الرهاب الذي انتهى به إلى الانتحار، وماتت زوجته بمرض السرطان.

لم يرث إبراهيم الشيء الكثير عن والده سوى كشكه الذي كان يبيع فيه الكتب المستعملة، قبل أن تقوم مصالح البلدية بهدمه، يفكر إبراهيم في الانتحار، يقرر التوجه نحو بحر العقبة، الموت أجمل وأرحم.

لقاؤه لأول مرة بالأنثى ومذكراتها يقودانه إلى الحلم من جديد، الأنثى أصبحت كاتبة مسلسلات يرى إبراهيم فيها نفسه، في صورة الرجل المقنع الذي تلقفته الوسائط الاجتماعية، بطل المهزومين من الفئات الشعبية التي تثق في اللصوص والقتلة الذين تسببوا في مآسيهم وفقرهم وجنونهم.

ينزلق إبراهيم المشحون، نحو الجريمة من خلال أيدي شخصيات الكتب الافتراضية، فيسرق لإطعام أطفال الملجأ، وينتقم لليلى من المشرفة التي كانت تغتصبها في الميتم.

في مستشفى المجانين، يجد إبراهيم راحته في الكتابة عن مأساته الداخلية التي لا يراها أحد غيره، ويمنح أوراقه لحبيبته ناردا، فقد تكلم فيها، لأول مرة، بصوت مسموع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد