: آخر تحديث

جريمة تبييض الأخبار والمعلومات

32
19
23
مواضيع ذات صلة

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع في المجتمعات العربية، وفي ظل وجود حالة عامة من الأمية الثقافية المذهلة وغير المسبوقة، ظهرت أنماط جديدة من تزييف الوعي الجمعي في العالم العربي؛ قادتها حركات سياسية، وتنظيمات توظف الدين لأغراض حزبية، وقنوات فضائية، وكان من أهم أنماط تزييف الوعي السياسي الجمعي ظاهرة تبييض الأخبار والمعلومات، التي تشبه جريمة تبييض الأموال، وإن كانت أكثر خطورة منها.

جريمة تبييض الأخبار والمعلومات أخطر من جريمة تبييض الأموال، لأن تبييض الأموال جريمة فساد مادي تتعلق بالموارد المادية للمجتمع، أما جريمة تبييض الأخبار والمعلومات فتمثل عملية تخريب شاملة للعقل الإنساني، والوعي الجمعي، والتماسك المجتمعي، والسلم الاجتماعي، ووحدة المجتمع، لأنها توقظ الفتن، وتفجر الخلافات والاختلافات، بل تصنعها وتشعلها حتى تتحول إلى حروب أهلية ثقافية.

تماماً مثل جريمة تبييض الأموال؛ تبدأ جريمة تبييض الأخبار والمعلومات بمصدر غير شرعي، بمصدر فاسد، ثم يتم إضفاء الشرعية والمصداقية عليه من خلال تداول هذا الخبر أو هذه المعلومة عبر عدة مصادر متتالية، مثلما يتم تبييض الأموال تماماً، حيث يتم تداول المال الفاسد وغير الشرعي عبر عدة عمليات متتالية حتى يتم إضفاء الشرعية عليه.

بمعنى آخر، تبدأ جريمة تبييض الأخبار والمعلومات بمعلومة كاذبة، أو نصف كاذبة من مصدر مجهول أو غير معروف، وقد يكون هو الذي اختلق هذا الخبر، أو هذه المعلومة، ثم يتم تداول هذا الخبر أو المعلومة مع تجهيل المصدر، وتحوير النص، وتعميمه، وذلك عبر مصادر متعددة منها: وسائل التواصل الاجتماعي، أو المنظمات الوهمية، أو المواقع الإخبارية الشخصية أو الخاصة، ثم يتصدر نشرات قنوات شهيرة، وبذلك يتحول إلى حقيقة لا يتسرب إليها الشك.

الحقيقة المرة، أننا نعيش لحظة تعيسة في تاريخ أمتنا حيث ساد الزيف، والكذب، والمعلومات المغلوطة، وتم بناء قناعات عليها، واتخاذ مواقف ناتجة عن هذه القناعات، ثم بعد ذلك تم تحويل هذه القناعات إلى سلوك فعلي في الواقع.

وللأسف كل ذلك يحدث في أمة كانت هي أول من اخترع علوم تدقيق الأخبار وتحرير مصادرها ودراسة حركة تناقلها، حتى لو كان الخبر منقولاً عن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، ولعل من يتعرف إلى علم الحديث يدرك كيف أتقنت أمتنا تتبُّع الأخبار وتدقيقها، والتحري عن سيرة رواتها، واستبعاد أي خبر يكون أحد رواته مشكوكاً في صدقيته، هذه الأمة ذاتها أصبحت تعيش في عالم كامل من الزيف والتزييف.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد