: آخر تحديث

مراكز الدراسات ورصد المتغيرات الداخلية

15
16
17
مواضيع ذات صلة

 

«مراكز الدراسات والتفكير المستقبلي»، كان عنوان المقالة التي نشرتُها في «الرياض» 17 مارس الجاري، حول أهمية وجود «بيوت الأفكار» في رصد وتحليل المتغيرات الخارجية، واستشراف السياسات الإقليمية، بما يحقق المصالح القومية للمملكة العربية السعودية.

«مراكز التفكير» هذه، ليست مرتبطة بالقضايا الخارجية وحسب، بل من الأهمية بمكان أن تكون هنالك مؤسسات محلية، مهنية، علمية، رصينة، مستقلة، تقرأ المتغيرات في الساحة الداخلية، وترصد التنوع في المجتمع السعودي، واتجاهات الرأي العام، وآراء الجمهور حول القضايا المختلفة، ومدى تفاعله من عملية الإصلاح الجارية، وفهمه لأهمية مشاركته في تحقيق رؤية 2030، وإذا ما كانت هنالك آمالٌ أو مخاوف محددة، والمشكلات التي يجدها أكثر إلحاحاً بالنسبة له.

ليس ذلك وحسب، بل هنالك قضايا غاية في الدقة، تتعلق بعلاقة المكونات المذهبية والثقافية والمناطقية ببعضها البعض، والثقافات الفرعية، والهويات الصغيرة، وخطاب هذه المجموعات كلها، دون أن نغفل الانتباه إلى موضوعات تعنى بكيفية تلقي المواطنين والمقيمين للخطابات العابرة للحدود، وتأثير الحروب، والإرهاب، والصراعات الطائفية، والنزاعات الإقليمية على التفكير، وأيضا، هل يدفعهم ذلك نحو مزيد من التشدد، أو القلق، أو العزلة، أو العقلانية والتعاون!

الاقتصاد، الثقافة، الدين، الاجتماع.. كلها حقولٌ تحتاج لدراسة فاحصة، محايدة، غير متسرعة. وهذا يعني وجود مراكز أبحاث متخصصة، وليس مركزاً يبحث في كل شيء، وكأنه يقدم خدمات متعددة! لأن هذا النوع من المراكز التي تقدم وجهات نظر في كل المسائل، هي أشبه بـ»مكاتب الخدمات والعلاقات العامة» منها لبيوت التفكير المتأني والعلمي؛ وهذه عادة ما تنتج «تقدير موقف» بدائي النظرة، غير متعمق، وأشبه بخلاصة مجمعة من صحف ووسائل إعلام مختلفة، أي أنها غير قادرة على الاستشراف وصناعة أفكار ذات طبيعة استراتيجية.

السعودية تشهد الآن عملية تحول عميقة، أكثر دقة مما يتخيل كثيرون. هي ليست مجرد تغير في أنماط الإنتاج، أو أسلوب الحياة، أو العلاقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية والأهلية، بل عملية تعيد هيكلة «الدولة» ومؤسساتها، وتشتغل على خلق «بردايم» جديد، متصل - منفصل بشكل كبير عن منظومة قيمية وإنتاجية وفكرية سابقة، في عملية أشبه بالخروج من فضاء إلى آخر، بحلة فيها كمٌ كبيرٌ من النقدِ والنقضِ والانفكاكِ عن القديم، لا كراهية فيه، بل لأنه لم يعد مناسباً ونمط الدولة المدنية الحديثة، أو لكونه يشكل عبئاً ثقيلاً يعطل عملية الإصلاح والتغيير، أو لكونه جزءا من منظومة الفساد والتخلف!

عندما تبنى «بيوت الأفكار» المتخصصة، وتعمل وفق خطة علمية، وبكوادر مؤهلة، وسياسات مستقلة، فإن ما تدرسه من حالات، أو تفككه من خطابات، أو تقدمه من رؤى، كل ذلك سيخضع للنقاش الحر والشفاف بين الباحثين والمختصين والفاعلين المجتمعيين وأصحاب القرار في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني؛ وهو ما يخلق أجواء تواصلية صحية، تتعاضد فيها الجهود، وتجعل من تحقيق أهداف رؤية 2030 عملية تراكمية يشترك فيها الجميع، ببصيرة ووعي، ووفق خطوات متسلسلة.

وللحديث تتمة..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد