: آخر تحديث

الكتابة.. والتعايش الوبائي

17
18
15
مواضيع ذات صلة

منذ ظهور وباء كورونا، أشياء كثيرة تغيرت في نظامنا الحياتي، وما كنا نظنه يدخل في العادي، أصبح شبه مستحيل: تحية الأحبة كما يجب، عناقهم، السهر برفقتهم، الأسفار، الاستضافات، تلبية الدعوات الجميلة، كلها أصبحت شبه مستحيلة، ومع ذلك نرفض أن نؤمن بأن الزمن الذي تعودنا عليه لم يعد موجوداً، وحل محلّه زمن آخر قد يكون قاسياً، وأن جيلاً من البشر سينقرض في سنوات قليلة، وسيخلفه جيل آخر أكثر مناعة ومقاومة للفيروس.

الكتابة عنه وسيلة لكسر اليأس الذي يخلفه، لكن الكثير من النقاد يرون أن الكتابة عن لحظة ووقوعها يقلل من قوة المكتوب، وهو كلام غير صحيح، ففي تاريخنا الثقافي العربي القديم تعامل كبار الكتاب مع الأوبئة في عز انتشارها، أستحضر في هذا السياق المقريزي، ابن خلدون وابن بطوطة، فقد وصفوا الخوف والخطر المتربص بالجميع، وعبروا عن آلامهم ورعبهم من الموت الأسود (الطاعون) عبر اللغة، عندما انتشر هذه الوباء في مصر مثلاً، في الفترة المملوكية، وفتك بأهلها، كتب المقريزي أن عدد الأموات في القاهرة وحدها كان أكثر من الألف يومياً، وبطلت الأفراح والأعراس، واصطدمت النعوش واختلطت الأموات لكثرتها في الطرقات، وروى أن دولة المماليك أمام هول الكارثة اضطرت إلى حذف سنة 749 (1348)، سنة الوباء، من تقويمها الخراجي للفلاحين حتى أصبح يقال: مات في تلك السنة كل شيء، حتى السنة نفسها، هي نفس مشاهدات ابن خلدون الذي عاصر وباء الطاعون: «في منتصف هذه المئة الثامنة من الطاعون الجارف، الذي تحيف الأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وقل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى تلاشي واضمحلال أموالها، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخرجت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل...».

الرحالة الكبير ابن بطوطة في رحلة للشام وبيت المقدس فوصف مأساة هذا الوباء، وذكر كيف كان الناس يجتهدون لإيجاد الحلول لمواجهة الوباء وعدم الاستسلام له، فذكر أن نائب السلطان في الشام، أرغون شاه طلب من الناس أن يكفوا عن أكل الطعام في الأسواق، وأن يصوموا ثلاثة أيام متوالية، وأن يتفادوا الخروج غير الضروري (الحجر بمعنى اليوم) فكانت النتيجة أن قل عدد المصابين والأموات، ونزل إلى ألفين بدل عشرين ألفاً يومياً، هذا الإحساس يختزل الأزمنة، ويجعل من أكثر من ستة قرون مسافة يمكن قطعها في ثانية، إذن ما أشبه البارحة باليوم، الوضع نفسه، والوسائل الدفاعية ذاتها!

هذا الحضور الوبائي في حياتنا، يسمح لنا بقوة بشمّ رائحة الموت عن قرب ومواجهتها بالسلاح الذي يليق بها، الكتابة في زمن الوباء لا تقلل من قيمة النص المكتوب بل ترفع من منسوب صدقه وقيمته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد