: آخر تحديث

كاراباخ بين أنقرة وطهران

6
6
6
مواضيع ذات صلة

كان عام 1991، عام سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي، وتبعثر جمهورياته، هو عام الاندفاع التركي، والإيراني، لاقتناص السيطرة وفرض النفوذ اعتقاداً منهما أنهما الأقدر على ملء فراغ النفوذ السوفييتي. وكان هذا التوجه من أنقرة وطهران كفيلاً بتفجير صراع مصالح عنيف حرص كل منهما على كبته حفاظاً على كمّ هائل من المصالح المشتركة بين البلدين.

ورغم وجود طموح تركي لتأسيس مشروع إقليمي منافس، إلا أن تركيا، في بداية عقد التسعينات، لم تكن تملك مقاليد هذا الدور، لكنها كانت تعي أن جمهوريات آسيا الوسطى التي تنتمى خمس جمهوريات منها إلى ما يعرف ب«العالم التركي»، أو «تركيا الكبرى»، في مقدورها أن تكون قاعدة التأسيس لهذا الطموح. أي أن تركيا كانت تراهن على «العامل العرقي» التركي المشترك مع هذه الجمهوريات لانتزاعها من قيود ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وبالذات الطموحات الروسية الجديدة، ولصد الطموحات الإيرانية.

أما إيران، فقد كانت تراهن على «العامل الطائفي» الذي يربطها بكثير من هذه الجمهوريات لفرض نفسها القوة الإقليمية لملء فراغ الغياب السوفييتي، ولمنع أي اختراقات خارجية دولية، خاصة أمريكية، أو إقليمية، وخاصة تركية، وإسرائيلية، يكون في مقدورها التمركز في هذه الجمهوريات بما يهدد الأمن والمصالح القومية الإيرانية، باعتبار أن إيران تربطها حدود مشتركة مع عدد من هذه الجمهوريات.

والصراع الراهن بين جمهورية أذربيجان، وجمهورية أرمينيا، الواقعتين على الحدود الشمالية لإيران، واللتين حصلتا على استقلالهما عام 1991 حول إقليم «ناجورنو كراباخ» جاء ليفاقم من جذور هذا التنافس بين كل من تركيا، وإيران، خاصة في ظل ظهور متغيرات جديدة باتت تعمل أكثر لمصلحة المشروع التركي.

فتركيا الآن في ظل العقيدة العثمانية الجديدة للرئيس، رجب طيب أردوغان، المفرطة في تطرفها وتطلعها لفرض تركيا قوة إقليمية كبرى ممتدة النفوذ على المساحة التي سبق أن سيطرت عليها الإمبراطورية العثمانية، ليست هي تركيا عام 1991 التي كانت، وما زالت تعتبر مجرد «قوة متوسطة». فالرئيس التركي يسعى لاستعادة نفوذ عثماني خسرته تركيا إجبارياً، كأحد نتائج خسارة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وما قررته «معاهدة لوزان» عام 1923 من مقررات، أبرزها اقتطاع أجزاء كانت خاضعة للسيطرة العثمانية، وإعطاؤها لدول أخرى.

أردوغان يسعى للتخلص من هذه المعاهدة التي من المقرر أن ينتهي أجلها عام 2023. وصراعاته وأطماعه في شمال سوريا، وشمال العراق، ومع قبرص، واليونان، وتطلعاته للنفوذ في جورجيا وليبيا، وغيرها، هي جزء من مشروعه الجديد لفرض تركيا «قوة إقليمية كبرى»، لكن تطلعاته في جمهوريات آسيا الوسطى التي يسميها ب«التركية» تحتل الجزء الأكبر من هذا المشروع، وهذا يفسر سر تدخله العسكري إلى جانب أذربيجان ضد أرمينيا حول إقليم «ناجورنو كاراباخ» الذي ينتمى جغرافياً إلى أذربيجان، لكن معظم سكانه جزء من شعب أرمينيا. والصراع الحالي يهدف من جانب أذربيجان إلى استعادة هذا الإقليم.

لم يكن في مقدور أذربيجان الإقدام على هذه الحرب من دون ضمان الدعم التركي الكامل، ومن دون الحصول على ضوء أخضر من الحلفاء الدوليين (أمريكا)، والإقليميين (إسرائيل). وأذربيجان تدرك أن لكل هذه القوى الدولية، والإقليمية، مصالح استراتيجية واقتصادية كبرى في دعمها. والتدخل التركي لم يكن ليحدث على النحو لولا الضوء الأخضر الأمريكي. فأذربيجان تعتبر مصلحة استراتيجية لهذه الأطراف لمحاصرة إيران من شمالها، وليس هذا فقط، بل لغزوها من الداخل عبر المكون الأذري الإيراني الذي أضحى يمثل واحداً من أخطر مصادر تهديد الأمن القومي الإيراني. وفي الوقت نفسه، يعتبر «ملف الطاقة» على رأس المصالح الاقتصادية لهذه القوى. لكن التدخل التركي لمصلحة أذربيجان يضر من ناحية أخرى بمصالح كل من روسيا، وإيران، في الوقت الذي ترتبط فيه تركيا بهاتين الدولتين بمصالح متشابكة.

وفي الوقت نفسه ترتبط روسيا بمعاهدة دفاع مع جمهورية أرمينيا، وهي غير مرتاحة لتنامي النفوذ الأمريكي، وإيران تعتبر الوجود الأمريكي والإسرائيلي في أذربيجان مصدراً مباشراً للتهديد، وهي لا تستطيع أن تنحاز إلى أذربيجان بدافع «الوحدة الطائفية» لتجد نفسها في خانة واحدة مع إسرائيل.

مأزق إيران أكثر صعوبة، فانحيازها إلى أرمينيا يبدد أطروحة «الوحدة الطائفية»، وإذا كان هذا العامل أضحى محدود التأثير بعد إعطاء أذربيجان أولوية لعامل «العرق» (التركي)، على حساب العامل الطائفي، فإن انحياز إيران إلى أرمينيا يثير غضب المكون العرقي الأذري الإيراني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد