: آخر تحديث

عصر القلق

8
11
10
مواضيع ذات صلة

في المدرسة الابتدائية - الإعدادية التي درست فيها نحو ثماني سنوات، كانت توجد مكتبة تعير كتباً للتلاميذ والمعلمين على حدٍٍ سواء. حين بلغت عمراً وفهماً صار بوسعي فيهما قراءة الكتب، صرت أتردد على هذه المكتبة في الفسح بين الدروس، لتصفح ما فيها من صحف أو كتب.
ذات نهار وجدت معلمنا لمادة الرياضيات الذي كان لبنانياً، فيما أذكر، يستعير من المكتبة كتاباً، خطفت عيني عنوانه: «دع القلق وإبدأ الحياة». أثار العنوان فضولي، رغم أني كنت بعيداً جداً عما يوصف بالقلق في تلك السن المبكرة، ولعلني قلت لنفسي حينها: طالما أن المعلم استعاره ليقرأه، فإنه كتاب جدير بالقراءة.
لا أذكر الآن، وقد مضت عقود على ذلك، ما إذا كنت انتظرت أياماً، حتى يعيد المعلم الكتاب إلى المكتبة، كي أستعيره بدوري وأحاول أن أقرأه لعلي أفهم منه شيئاً، أم أني اطلعت على الكتاب في مرحلة لاحقة، ولكن ما أذكره أنه كان يحض على التفاؤل وقوة الإرادة في مواجهة الصعاب، وعدم الاستسلام للخيبات، وما إلى ذلك، ليس بعيداً عما يقوله اليوم من بات يطلق عليهم مدربي التنمية الذاتية المنتشرين.
تذكّرت الحكاية والكتاب وأنا أبدأ بتصفح كتاب صغير الحجم، وجدته، هذه المرة، على أحد رفوف مكتبتي الشخصية، لمؤلفه فتحي خليل وعنوانه: «سلامة موسى وعصر القلق». وما أثار فضولي ليست مفردة القلق، وإنما اسم سلامة موسى، أحد الأسماء المهمة التي لا أقاوم الاطلاع على ما كتبه هو نفسه أو كتب عنه، أنا الممتن لكتبه في تشكيل وعيي الثقافي والحياتي.
لم يسبق لي أن قرأت وصفاً للعصر الذي عاشه سلامة موسى وفيه وضع مؤلفاته بـ«عصر القلق». نعلم أنه عصر فاصل في تاريخ مصر، وبالنتيجة، التاريخ العربي كله، حيث تبلورت بدايات النهضة الفكرية والحضارية المنشودة، التي كان موسى أحد أهم واضعي مرتكزاتها، ولو أننا سرنا على خطاه وخطى رفاقه من أهل التنوير لما بلغنا ما بلغناه من تردٍ وخيبات، حتى صرنا نزيّن الردة الحضارية التي نحن فيها اليوم بمفردات من نوع «الصحوة»، وما هي بصحوة ولا هم يحزنون. إنها الردة ولا شيء سواها. الردة عن كل ما هو نيّر ومشرق وباعث على الأمل.
وقصد فتحي خليل من استخدام تعبير «عصر القلق» في عنوان كتابه هذا، الإشارة إلى حجم الأسئلة الفكرية والحضارية الكبرى التي أثارت أرق وقلق أذهان الكبار من أهل ذلك العصر، وما أوسع الشقة بين «قلق» عصرهم وقلقنا اليوم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد