: آخر تحديث

الكوميديا في مواجهة الوباء

6
5
5
مواضيع ذات صلة

«نحن نأكل الفيروس! إنه يهرب عندما يرانا لأنه يخاف منا». هذا ما قاله لي كارماتولو مازحاً، عندما سألته كيف كان يفعل هو وعمال آسيا الوسطى الآخرين في موسكو؛ حسبما كتب الباحث الروسي أنتون نيكولوتوف (له دراسات في العلاقات الاجتماعية للنكتة)، ويتساءل: كيف نفهم مثل عروض الدعابة هذه في المثابرة لمواجهة الشدائد؟

يجيب نيكولوتوف في دراسة له أن الكوميديا يمكنها توفير رؤية مفيدة لما يجري، ويمكن فهمها على أنها ممارسة اجتماعية إضافة إلى كونها إبداعاً فنيًا، قد تنتج مشاهد متعددة الأغراض ومتضمنة التعاطف الاجتماعي. غالبًا ما تختلط هذه المشاهد أو تشمل الأنواع والأمزجة الأخرى، سواء كانت مأساوية أو مرعبة أو غيرها. إضافة إلى ذلك، فإن الفكاهة على الأمراض التي تتكاثر حالياً تحفز التضامن الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، قد تكثف النكات الأخرى عدم الثقة بطريقة معالجة الدولة أو بتناقض المعلومات حول الوباء كما يحصل مع عمال آسيا الوسطى في موسكو مثلاً، حسب نيكولوتوف.

يقال إن الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا خيط رفيع؛ فمع الانتشار العالمي لوباء كورونا منذ شهر مارس الماضي، تولدت عشرات الملايين من مقاطع الفيديو الكوميدية يوميًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وتشير الاستطلاعات إلى أنها زادت بشكل غير مسبوق مع الوباء، رغم أن الزيادة قد تكون بسبب زيادة وقت البقاء في المنزل. وقد أصبحت منصة تيك توك بسرعة منبرًا أساسيًا لمشاركة مقاطع الفيديو الكوميدية القصيرة التي تنبع من إحباط الحبس في المنزل، مما أدى - على سبيل المثال - إلى تحقيق أكثر من عشرة مليارات مشاهدة على هاشتاق (سعيداً بالمنزل) #HappyAtHome وحده. وصار تيك توك بسرعة أكبر منصة عالمية للضحك، حيث تأتي بعض مقاطع الفيديو من الخطوط الأمامية الطبية لمواجهة الوباء، بما في ذلك رقصات ممرضات غرفة الطوارئ (كريس إرسكين، لوس أنجلوس تايمز).

ورغم أن البعض يرى أن المقاطع الهزلية غير مناسبة وقت الأزمات، وقد يكون ذلك صحيحاً في حالات الأزمات الكارثية المفاجئة لأننا نكون في حالة صدمة ونحتاج لاستعابها والبحث عن حلول جادة، فضلاً عن احترام أحزان ومآسي الآخرين وأهل الضحايا، إلا أن وباء كورونا انتشر تدريجيا وليس فجأة ويبدو أنه سيطيل المقام حسب منظمة الصحة العالمية.

لكن لماذا انتشرت المقاطع المضحكة بهذه الدرجة غير المسبوقة؟ يبدو أن ذلك بسبب مشاركة شعوب العالم كله لنفس المأساة.. تقول كارين نورث، البروفيسورة العيادية لوسائل التواصل الاجتماعي بجامعة جنوب كاليفورنيا: «لا أحد يُنكت على المرض.. إنما الناس يمزحون على أنماط حياتنا المتغيرة بشكل كبير... وفي الوقت الحالي، بطريقة غير مسبوقة، لدينا جميعًا وجهة نظر عالمية مشتركة». وترى نورث أن الأزمة الحالية تختلف عن الصدمات الماضية بطرق شتى، قائلة إن العالم يسير في نفس الرحلة، وأن لدينا عدوًا مشتركًا.. وأن استيعابنا لزبدة النكتة يتم مشاركته عبر جمهور أوسع».

 

الكثير من المقاطع المضحكة عفوية.. أثبتت بعض لحظات الثقافة الشعبية أنها مغرية جداً للمنتجين لتسخيرها في قنواتهم.. والشعوب تختلف في تأليف واستقبال النكتة باختلاف الأزمنة والعمر والجنس.. فالدراسات تشير إلى أن الأمريكيين يميلون للنكات التي يكون أبطالها سذجاً أو حمقى، بينما يحبذ البريطانيون النكت التي بها تلاعب بالألفاظ، في حين أن بعض الأوروبيين يفضلون النكتة ذات الطابع الذهني أو كوميديا الموقف. وقد نجد في النكت العربية أنها تميل إلى تصوير أبطالها بالسذاجة المفرطة، وتبالغ في اللعب على التناقضات والسخرية من الأوضاع.. ورغم كل هذا الاختلاف في أسلوب النكتة فإن المأساة واحدة لكل شعوب العالم، وهي كورونا.

كيف استقبل بعض مشاهير الميديا والفنانين هذه الجائحة العالمية؟ تقول الفنانة الأمريكية الشابة مالوري جيلين: «لقد فكرت في الأمر كثيرًا أثناء كتابة الطرفة، مفكرة بمعاناة الناس، ولكن أعتقد أنه سيكون هناك دائمًا مكان للكوميديا. إنه مكان يلتقي فيه الناس». بينما غردت الكاتبة والممثلة الأمريكية تريسي مارتن: «الفكاهة مهمة دائمًا في أوقات الأزمات والتوتر الشديد... أحب الضحك الجيد لإلهائي».

البعض يرى أن الوقت المديد لجائحة كورونا وعدم وجود العلاج أو اللقاح كان لها أثر واضح.. كتبت ميغان غاربر (مجلة اتلانتك) أن الوقت «متقلب جداً وغير مؤكد. بينما الفيروس الجديد متأنٍ. إنه يختبئ على مرأى من الجميع. أيام، أسابيع، شهور، وربما سنوات». في حين أن الناقد لوسائل التواصل الاجتماعي والكاتب الكوميدي جنسن كارب، يرى إن التاريخ قد يسير بسهولة في ظل تدفق الفكاهة وسط هذه المأساة (لوس أنجلوس تايمز).

ولعلنا نختم بأقوال أهم من كتب عن الفكاهة وحللها، وهو المفكر والكاتب الأمريكي الساخر مارك توين: «الفكاهة تساوي المأساة بالإضافة إلى الوقت.. الفكاهة يجب ألا تعلم بشكل ظاهر، ويجب ألا تعظ صراحة، ولكن يجب أن تفعل الأمرين معًا إذا كانت ستعيش طويلاً. الضحك بدون مسحة من الفلسفة ما هو إلا عطس من الفكاهة. النكتة الحقيقية مليئة بالحكمة». وللمخرج والكوميدي المشهور وودي ألن، تصور طريف عن الكوميديا: «الكوميديا تبرز المشكلات، ونادرًا ما تواجهها بشكل مباشر. الدراما مثل طبق من اللحم والبطاطس، أما الكوميديا فهي الحلوى».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد