: آخر تحديث

الغزو الداخلي

7
5
7
مواضيع ذات صلة

ثلاثون عاماً على الغزو العراقي للكويت سنطويها في الثاني من أغسطس 2020، لكن نواجه هذا العام تحديداً وبهذه المناسبة الأليمة على الشعب الكويتي غزواً داخلياً، إن جاز التعبير.. غزواً على أياد كويتية من مواطنين ومتنفذين وشيوخ وعسكريين.

سُرقت ثروة الكويت إبان الغزو العراقي قبل ثلاثين عاماً ولم تكن سرقة واحدة بل سرقات عدة.. سرقات متنوعة؛ شكلاً ومضموناً، حتى باتت الحسبة المالية وقياس حجم الضرر لما تكبده المال العام أمراً قاسياً على استيعاب العقل والضمير الكويتي.

لم نعد نقوى على المقارنة بين هذه السرقة أو تلك، فجميعهم ينافس بعضهم بعضاً؛ قانونياً ومالياً ورقابياً وأمنياً وسياسياً. استباح من استباح المال العام بأساليب مختلفة وفنون بعضها رسمي والبعض الآخر من ابتكارات فردية وجماعية كويتية المنشأ، وبالتعاون مع مواطنين من بلدان أخرى، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر، حضرة البرلماني البنغالي، الذي كان عاملاً حين دخل الكويت قبل سنوات كما تردد صحافياً، فيما أصبح لاحقاً نائباً في برلمان بلاده ومتنفذاً في كل أروقة دولة الكويت.

ومنها أيضاً مواطن إيراني لم تتمكن الأجهزة الأمنية منه منذ 2004، بفضل وجود محيط من أصحاب النفوذ بقيادة «متنفذة»؛ أي امرأة كويتية، أو ربما غير كويتية لا تقل نفوذاً عن البرلماني البنغالي!

هناك من المشتبه فيهم من قد يكون في السجن على ذمة التحقيق أو في المستشفى لأسباب ليس من المهم معرفتها حتى لا نتوه أكثر بين دهاليز النفوذ في الدولة؛ أمنياً وسياسياً.

عادت الكويت وشعبها بشرعيتها إلى أرض الوطن في فبراير 1991، ولكن واضح أن حكومات متعاقبة منذ تلك السنة حتى اليوم لم تتعلم درساً واحداً في الحفاظ على ثروات الدولة وأمنها.. لم تخرج حكومة واحدة، بما في ذلك الحكومة الحالية برئاسة الأخ الفاضل الشيخ صباح الخالد، بدليل واحد على تغيير منهجي في التخطيط والتفكير والتغيير نحو إصلاح حكومي عميق من أجل انتشال الدولة من المزيد من الغرق في فضائح الفساد.. لم نشهد تحولاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً في الرؤية الرسمية لكويت ما بعد غزو العراق.

أصبح الحديث عن الفساد محوراً يومياً لدى الصغار والكبار.. وحديثاً أيضاً على لسان المفسدين ممن نجا من العقاب، فلم تعد هناك هيبة للقانون!

معاناة تكابدها قلوب وضمائر كويتية حية ما زالت تحمل ملامح الأمل في مستقبل آمن ومزدهر لدولة الكويت ذات النظام الدستوري، الذي ضحى من أجلها أجيال وأجيال.. وضحى من أجل تحريرها أبناء الكويت خلال الاجتياح العراقي.

نحن فعلاً نواجه غزواً داخلياً.. غزواً لأمن الدولة واستقرارها محلياً، وغزواً شوه الكويت دولياً.. غزواً في استباحة ثروات الكويت والأجيال القادمة.. غزواً قادنا إلى فقدان الشعور بالأمن والأمان في البيت والشارع والعمل.

تحل الذكرى الثلاثون للغزو هذه المرة ونحن نتجرع سموم فقدان الهيبة للأمن والرقابة والعقاب، بينما تجتر الحكومة شعارات رنانة عن الإصلاح ومحاربة الفساد واجتثاثه بعد أن ترعرع الفساد في أحضان حكومات حنونة، لم تنجح في اقتلاع مصدر واحد للفساد وليس جذوره!

هل هو قدرنا أن نشهد غزواً للدولة خارجياً قبل ثلاثين عاماً؟ هل هو قدرنا أن نعيش غزواً آخر من الداخل؟

فالفرق بين الاثنين أن الأول عسكري كاد أن يمسح الوجود الكويتي من الجغرافيا والتاريخ، بينما الثاني سلب ثقة المواطن في العيش مع أسرته بأمان، ومن دون جزع من أن يغتال يوماً مجرم حرمة البيت والمكان بعد استباحة ثروات الدولة ونسف الجهاز الأمني والرقابي والإفلات من العقوبة في الوقت ذاته!

عادت الكويت بعد تحريرها عسكرياً، لكن كيف يمكن للمواطن استعادة الثقة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية بعد هذا الغزو الداخلي؟!

إننا نواجه غزواً للقرار الحكومي والبرلماني.. غزواً اجتاح مؤسسات في الدولة؛ حكومياً وتشريعياً.. عبث سياسي وأمني بامتياز قادنا إلى ما نحن فيه اليوم.. قاد إلى توغل الدولة العميقة وتطورها!

لم تعد سلطتا الحكومة ومجلس الأمة قادرتين على انتشال الكويت من الغرق، فعملية الإنقاذ لن تأتي من الجهات المسؤولة عن هذا الغزو الداخلي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد