: آخر تحديث

آبار الوطنية.. في غسيل «كورونا»

7
6
2
مواضيع ذات صلة

عبدالله بشارة

 بإرادة أميرية صلبة وبتهيئة شمولية من مجلس الوزراء، وبهمة كويتية تدفقت من ينابيع وطنية ساكنة، حركتها وأفزعتها أمراض الكورونا، فتجمعت هذه الظاهرة لتشكل جيش الكويت لصد هذا الوباء وهزيمة هذه البلوة التي تمكنت من التسلل إلى عضلات دول كبرى بكل هيبتها وغصباً عن تكنولوجيتها، واتفق مع الآخرين بأن المقاربة الناعمة لقضايا الوطن التي اعتدنا عليها قد اختفت وطغى عليها الحس الوطني التاريخي بالتعاضد الكويتي الذي نتذكره نحن المخضرمين الذين وعينا على تكاتف أهل البحر في ترابطهم في الشدة وتسابقهم لتوفير النجدة، وصلابة أهل الصحراء وصبرهم، ولا بد من تسجيل الاعتزاز بالمشاعر الوطنية النقية التي تتحكم في الفريق الطبي العظيم وفي الفريق الامني المتيقظ، كما تتعاظم موجات الفخر في أريحية القطاعات المالية من بنوك وتجار ومستثمرين تحركوا جميعاً بالغيرة على الوطن وباندفاع لسلامته في المساهمة في العطاء لوطن لم يتوقف في سخائه لهم وللآخرين من ابنائه، بل تجاوز في سخائه حدوده ليصل إلى أبعد المواقع في هذا العالم عربياً واقليمياً وعالمياً.. وأشعر بارتياح بأن الاحتياطي الوطني الكويتي الصادق لا قاع له في العمق ولا جدار له في الاتساع، في ظاهرة تذكرنا بمشهد الوحدة عند الغزو، وفي صيحة الولاء في مؤتمر جدة في أكتوبر 1990. 

لا أريد استذكار أسماء مواطنين في لوائح التبرعات، فلا جدال بأنهم جديرون بأعلى مفردات التقدير لصفاء مشاعرهم وسرعة تجاوبهم مع وطن يحارب آفة استشرت في خريطة العالم وأدخلت جميع الشعوب في معركة لا مكان فيه للتراجع، فلا مفر من النصر، لأن القيود التي فرضناها لا نريدها لكنها أفضل رسائل الانقاذ من أشرارها.. تغمرنا فرحة الارتياح لأداء الحكومة الصارم وبوجودها البارز في ميدان المعارك، وكان توزيع الأدوار مبهراً واتقان التنفيذ عجيباً، كما يغمرنا الأمل بأن يتواصل العزم والحسم في قضايا المستقبل، مدركين أن كورونا فتحت أعيننا على أولويات الكويت في مسار الأمن، توافقاً مع المقولة التي نرددها بأن صحة المواطن وأمن الوطن في صدر المقدسات، فلا تراخي ولا تجميل ولا تأخير في معالجة التركيبة السكانية التي تعاني من اختلالات تهدد أمن الكويت واستقرارها وتؤثر في حريتها في اتخاذ القرار السياسي والاستراتيجي المتوافق مع مصالحها، فأهم عنصر في دبلوماسية الأوطان ألا يظل فيها مكان للاعتبارات الخارجية مع حرية متكاملة لاتخاذ القرار الثقيل والبدء بالمخالفين الذين تعدوا مئة ألف شخص.. والدرس الآخر الذي أكدته الأزمة مع ضرورة فاعليته هو الجهاز الوظيفي وجدارته في الارتفاع بالمسؤولية وتقبل تبعاتها والتنسيق مع الفروع الأمنية والصحية والمالية والتنموية والمعيشية وترابطها داخل شبكة فاعلة سواء من الجهاز الحكومي أو من الفرع الأهلي، ونؤكد أن نجاح تجربة الكويت في معركتها الحالية يعتمد على هذا التنسيق التعبوي الجماعي، ففي هذا المسار كان التنسيق فاعلاً ومؤثراً، ومع تتابع الخطوات تعمقت الخبرة وتعززت قواعد العمل الجماعي. ويكفينا شهادة العالم بأداء الكويت في هذا الظرف الخطر، لا سيما شهادة منظمة الصحة العالمية، ومن منظمات ودول قريبة وبعيدة، وأبرزت هذه الأزمة أهمية القاعدة الواسعة من العمل الأهلي التطوعي الملم بخبرة توافرت له من عمله الكبير في سوريا ولبنان والعراق وفي مناطق كثيرة في أوروبا وأفريقيا..

ويقف الآن هذا العمل التطوعي رديفاً مؤازراً لاستعدادات الطقم الطبي في شراكة وطنية متفانية.. وتبقى ملاحظة، علينا الالتزام بها في واقع هذه الأزمة التي لن تنتهي قريبا ولن تودعنا خلال أيام، وإنما تؤكد حسابات المختصين وجودها حتى نهاية هذا العام، فإذا هزمناها داخل الكويت فستظل تهددنا في وجودها في الفضاء العالمي، فالحرب كونية لأنها كما تقول منظمة الصحة العالمية «وباء عالمي لا يختفي إلا بهزيمة جماعية كونية» فلا يفيد معها الفوزالاقليمي ولا تنهي حياتها الضربة الوطنية بمعزل عن نهايتها العالمية، وهذا الواقع يجعلنا نعيش في حالة استثنائية في بيئتها وفي قواعدها، ولها تبعات في الأمن والاقتصاد والمعيشة ليس في الكويت وإنما في جميع أنحاء هذا الكوكب، ويعني ذلك أن نحافظ على الصلابة التي توافرت لنا من تراث الماضي عندما كان الوطن يعيش على إرادة التحدي أيام شقاء الغوص ومخاطر الابحار وكمين الصحراء..

عيسى الراشد.. فقيد الثقافة انتقل إلى رحمة الله الشيخ عيسى بن راشد فقيد الثقافة والرياضة، واحد من ستة أشخاص هندسوا الرياضة الخليجية، عشت معهم طوال عقد من الزمن، كانوا المرحوم الأمير فيصل بن فهد رئيس اللجنة الأولمبية السعودية، والمرحوم الشهيد فهد الأحمد الجابر الصباح رئيس اللجنة الكويتية، والمرحوم الشيخ عيسى بن راشد رئيس لجنة البحرين، والشيخ سعود آل ثاني رئيس لجنة قطر، وأحمد أبو حسين رئيس لجنة الامارات، وحماد الغافري رئيس لجنة عمان. عشت معهم فصولا ممتعة، يتسابقون في الشعر، ويتجادلون حول الحكام، ويتناقشون في ميزانية الرياضة، وينسقون نشاطات عربية وآسيوية، كانوا شعلة متكاملة في التفاهم وفي الحميمية والمودة، فلا يتردد الأمير فيصل بالدعم، ولا يتخلى فهد الأحمد عن ضمان آسيا، ويفوز عيسى بن راشد في جودة الشعر، بما يثير الشيخ فهد الأحمد فيلجأ الأخير إلى تأليف الأغاني. كنت أرتاح لتوافقهم الرياضي والسياسي، فعندما تأكد استشهاد الشيخ فهد الأحمد، اتصل بي المرحوم الأمير فيصل بن فهد ليطلب عقد اجتماع للجنة الأولمبية الخليجية في أول فبراير 1991، واجتمعنا ورؤساء اللجان الأولمبية في مبنى الأمانة العامة لمجلس التعاون في الرياض، وتقرر ترشيح الشيخ أحمد فهد الأحمد رئيساً للجنة الأولمبية الآسيوية مكان والده الشهيد..

كان الشيخ أحمد مؤهلاً، على علم بقواعد العمل في آسيا، ويفوز الشيخ أحمد في انتخابات آسيا، ويظل فيها عقوداً من الزمن، كان الأمير فيصل راعياً سخياً والشيخ فهد الأحمد محارباً فدائياً، والمرحوم عيسى بن راشد موجهاً حكيماً يستحضر العقل عند الشدة ويتوجها بالنكتة عند الاسترخاء، كانت اجتماعاتهم طريفة مثيرة فيها الابهة ويمثلها الأمير فيصل، والطموح العارم ويمثله الشيخ فهد الأحمد، والحكمة الموجهة ويمثلها المرحوم الشيخ عيسى بن راشد.. Volume 0%   رحل الثلاثة إلى عالم البقاء، وغابت النجوم فتسيدت الغيوم صفاء الرياضة..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد