: آخر تحديث

الترفيه ليس ترفاً

5
5
5
مواضيع ذات صلة

 عبدالله السعدون  

التغييرات الإيجابية تتلاحق؛ والترفيه عنصر أساسي في سعادة الإنسان وصحته البدنية والنفسية، وله مردود اجتماعي واقتصادي وعنصر مهم في خلق الوظائف وشغل أوقات الفراغ بما يفيد بعيداً عن استخدام الوسائل المضرة..

يوجد قرب منزلي حديقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها ألفي متر مربع تقريباً، تتوسطها منطقة رملية بها ألعاب أطفال، وأصبحت أشجارها كبيرة بعد أن توقف تقزيم الأشجار فأصبحت توفر الظل والهواء النقي والملجأ للطيور، هذه الحديقة رغم صغرها هي أفضل مكان في الحي لمن يرغب أن يمشي في الصباح الباكر بعيداً عن أصوات السيارات المزعجة وهوائها الملوث وتأثيره السيئ، أما في المساء فتعج المنطقة المحيطة بالحديقة بمرتاديها من الأسر وبائعي القهوة والأكلات الخفيفة، ويرتادها الشباب بشكل خاص حيث يظل بعضهم يدور حول الحديقة وداخل الحارة بسيارته لساعات، وبعضهم يتحدثون فيما بينهم مدداً طويلة وهم داخل سياراتهم التي تبقى مشتغلة طوال الوقت، والأسوأ حين يقود بعضهم سياراتهم بسرعة عالية داخل الأحياء السكنية وبأصوات مزعجة وحتى ساعة متأخرة من الليل. قلة منهم من ينزل من سيارته ليمشي أو يتحدث مع زملائه في الحديقة لأنه لا شيء يجذبهم داخلها، وكل ذلك يدل على شيئين مهمين الأول الفراغ الذي تعيشه الأسر والشباب بشكل خاص، والثاني الحاجة الملحة للترفيه واللعب، وللأسف فقد أصبحت السيارة والهاتف المحمول هما الأكثر استخداماً لملء أوقات الفراغ مع ما يمثلان من مخاطر صحية وضياع وقت.

وليس الترفيه خاص بفئة عمرية دون الأخرى أو بزمن دون غيره، فقد ارتبط الترفيه بالإنسان منذ وجد على هذه البسيطة، ومهما انشغل أو زادت التزاماته إلا أنه يبحث عن أقرب فرصة ليرفه عن نفسه، ويفتش عما يحبه ويسعده ويشغل وقت فراغه. ومن أكبر الأخطاء التي يرتكبها الوالدان والتربويون والمصلحون محاولة منع الطفل أو الشاب من اللعب، وإظهار ذلك على أنه ضياع للوقت الذي يجب أن يشغل بما هو أكثر فائدة في نظرهم. لكن الحقيقة هو أن ما يتعلمه الطفل من اللعب سواء في البيت أو المدرسة يفوق ما يتعلمه من التلقين والحفظ، كما أن توقف كبار السن عن الترفيه واللعب والحياة الاجتماعية النشطة من أهم أسباب اعتلال الصحة النفسية والبدنية ومنها شبح الخرف والأمراض المصاحبة لتقدم السن.

كل ذلك يقودنا إلى أن نفكر جيداً في توفير الأنشطة الترفيهية لمختلف الأعمار، والبحث قدر المستطاع عن أكثرها قدرة على إشباع رغبات سكان المدن والقرى، واستدامتها على مدار العام، وهذا يتطلب بنية تحتية ولتحقيق ذلك لابد من العمل على الآتي:

أولاً: رغم أن هيئة الترفيه هي المعنية مباشرة بتوفير الفعاليات الترفيهية إلا أن إيجاد أرضية مناسبة للترفيه الذي له فوائد صحية وبيئية يتطلب تضافر جهود البلديات ووزارة الرياضة ووزارة الأسكان لإيجاد الحدائق الكبيرة والمتوسطة الحجم بين الأحياء حتى يجد السكان بمختلف فئاتهم وإمكاناتهم المادية ما يناسبهم من الأنشطة كتوفر ملاعب مختلفة للشباب، وممشى صحي لممارسة المشي، وقنوات مائية لتلطيف الجو وممارسة التجديف بالقوارب وكما هو في الحدائق المنتشرة في أوروبا، لقد ثبت أن الحدائق هي المكان المفضل لقضاء الأوقات الممتعة والمفيدة للمقيم والزائر للمدينة رغم ما قد تحويه المدن من وسائل ترفيه كثيرة وخصوصاً في المدن الكبيرة، كما أن الحدائق تمثل الرئة التي تتنفس المدن من خلالها الهواء النقي والتخلص من التلوث البيئي والبصري.

ثانياً: توفر المدارس والجامعات أماكن مناسبة ومأمونة لمختلف أنواع الترفيه كالمسرح والمسابقات الرياضية والمكتبات، وهذه الأنشطة سيكون لها مردود إيجابي على الطلبة وأولياء أمورهم ومنها اكتشاف المواهب الفنية وتأكيد دور التعليم في المشاركة المجتمعية، وخصوصاً الجامعات بما تحويه من إمكانات وكفاءات، وعلى المدارس والجامعات أن تستثمر المناسبات كنهاية الفصل الدراسي وانتقال الطلبة من مرحلة إلى أخرى لإقامة الحفلات التي يتخللها المسرح ويحضرها أولياء الأمور ويؤدي الأدوار فيها الطلبة، وهنا سيكون للترفيه فوائد كثيرة منه اكتشاف المواهب وتعويد الطلبة على مواجهة الجمهور في التمثيل والخطابة والأوبريت وغيره.

التغييرات الإيجابية تتلاحق والترفيه عنصر أساسي في سعادة الإنسان وصحته البدنية والنفسية، وله مردود اجتماعي واقتصادي وعنصر مهم في خلق الوظائف وشغل أوقات الفراغ بما يفيد بعيداً عن استخدام الوسائل المضرة كالسيارة والهواتف المحمولة، أو الجلوس في المقاهي والإستراحات الخاصة يومياً ولساعات طويلة قد يتخللها التدخين بنوعيه المباشر والسلبي، وما قد يكتسبه الشباب من عادات مضرة وقاتلة أحياناً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد