: آخر تحديث

ديكارت والأميرة إليزابيث

6
6
4
مواضيع ذات صلة

 خالد الغنامي 

عندما صدر كتاب «السر» في عام 2006، هز العالم كله وترجم لكل اللغات، فالفكرة التي يحملها تُهم كل إنسان وتمس حياته، إنه يتحدث عن سر كان يعلمه الخاصة، خلاصته أن الإنسان يتحكم في مصيره من خلال أفكاره، ما تفكّر فيه يحدث لك، إذا كنت لا ترى نفسك إلا في أرفع المناصب فستصل إلى أرفع المناصب، وإذا كنت لا ترى إلا أنك ستعيش مجهولاً فقيراً، فإن هذا ما سيحدث لك، إنه قانون يشبه قانون الجاذبية النيوتنية، وهو يعمل دائماً، سواء استخدمته لصالح نفسك أو استخدمته ضدها.
هناك عبارة في الكتاب استثارتني كثيراً، وهي أن أسماء كبيرة معروفة في عالم الفلاسفة كانت تعرف هذا السر، ومن ثم دعتني للتفتيش من جديد في تراث الفلاسفة، بحثاً عما يدعم أو ينقض هذه الدعوى، فانتهيت إلى تأليف كتاب حول الموضوع، ومما وجدت، رسالة الفيلسوف الفرنسي الكبير أبي الحداثة «رينيه ديكارت» إلى الأميرة إليزابيث، كتبها في نوفمبر 1646. في هذه الرسالة، يقرر ديكارت أنه إذا لم يقع للإنسان الذي يهتدي بهدي العقل الصحيح، أمور تُكدر الحواس أو عناء يجهد الجسم ويرهقه، فمن الميسور له أن يكون من الراضين المستبشرين، ولا حاجة له إلى أن ينسى أو أن يُهمل الأشياء البعيدة.. بل حسبه أن يحاول إخلاء نفسه من أي انفعال نحو الأمور التي قد لا تسرّه، هذا التغافل عن الانفعال لا ينافي البر والإحسان، لأن الإنسان يستطيع في أكثر الأحيان أن يجد للشرور التي يفكر فيها بغير انفعال، علاجاً أفضل مما يجد للشرور التي تسبب له الهم والغم، لكن كما أن صحة البدن ووجود المسرات تيسر للنفس تنحية جميع الانفعالات المحزنة وإدخال الانفعالات المفرحة، ففي هذا ما يعين الجسد على أن يكون أكثر عافية، وعلى أن تبدو أمور الحاضر أدعى لجلب المسرّة.

ويمضي ديكارت، مقرراً أن ما يستشعره المرء من فرح «جوّاني»، يمثل قوة خفية تجعل الحظ أكثر موافقة له، ويشير إلى أن مثل هذه الأسرار لا تقال للأشخاص ضعاف العقول، مخافة أن يستسلموا للخرافات.. لكن الأميرة إليزابيث إنسانة مثقفة، فلا خوف عليها من ذلك، ولهذا كتب: «أما من جهة سموك، فكل ما أخشاه هو أن تسخري مني، وأن تظني أني قد أصبحت سريع التصديق للأوهام، لكن عندي ما لا حصر له من التجارب تأييداً لرأيي، أما تجاربي فكثيراً ما لاحظت أن الأعمال التي كنت أؤديها منشرح الصدر وبغير نفور جواني، كنت غالباً أصيب فيها توفيقاً ونجاحاً»، ثم يمضي محصياً تجاربه الخاصة على موائد القمار الذي لا سلطان فيه إلا للحظ وحده، وكيف كان يكسب حين تكون لديه دواعٍ أخرى للفرح، بخلاف حال الحزن. وينقل ديكارت عن سقراط، الذي كان مشهوراً بإيمانه، أنه سيصيب سَدَاداً وتوفيقاً فيما يقدم عليه إذا انطوت نفسه على شعور خفي بالبُشر والمرح، وسيلقى الخيبة والخسران حين يستشعر الحزن والانقباض.
لا يمكن أن يقال بأن عاشق الخرافة وحده هو مَن يقبل بهذا الكلام، فديكارت كان مجدِّداً في علم الرياضيات، وأحد الفيزيائيين الكبار الذين قامت على بحوثهم «الثورة العلمية الكبرى»، التي أسست لعصر الحداثة، ومع هذا كان يؤمن بقدرة الإنسان على أن يجذب بأفكاره ما يريده أن يتجلّى في حياته، وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نحذر كما حذّر ديكارت، من ضعاف العقول عندما يلجون لهذا الميدان.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد