: آخر تحديث

الإعلام العربي.. خطاب عاطفي  

5
5
4
مواضيع ذات صلة

سالم حميد

كلما أتيحت فرصة للإعلام العربي لتطوير خطابه وأساليب تناوله للقضايا التي تهم المنطقة، نجده يتعامل مع المتلقي بارتباك شديد، ويفضل الخطاب العاطفي الذي يستهلكه، ويمضي على نهجه منذ عقود طويلة، ونتيجة لذلك لم يتطور الإعلام العربي، ولم يتحرر من الارتهان للشعارات القديمة، وخسر الانتقال إلى مرحلة احترافية حقيقية، كانت وما تزال مطلوبة لتطوير وعي المجتمع، وإعادة صياغة نمط التفكير تجاه مختلف القضايا.

ويبدو أن علاقتنا نحن العرب بالإعلام، إنتاجاً وتلقياً، ما تزال حديثة نسبياً، كما هي علاقتنا بالمسرح والرواية والدراما، ومن المعلوم أن وظيفة الإعلام الأولى هي نقل الحدث كما ورد، ثم تحليله واستشراف السيناريوهات المتوقعة على ضوء المستجدات، إلا أن قطاعاً واسعاً من الإعلام العربي يتعامل مع الأحداث في المنطقة من زاوية استغلالها كالمعتاد بأسلوب عاطفي، في محاولة لصناعة بطولات وهمية وأبطال على الشاشات، يتصرفون بحماقة لإرضاء مزاج الجمهور حتى في الاجتماعات الرسمية، في حين أن وظيفة الإعلام تشمل صناعة الرأي العام والتأثير عليه، وليس التملق الزائف الذي يستمر في خداع الشعوب وتنويمها، حتى لا تتمكن من مواجهة الواقع والتعامل مع الحقائق كما هي في الميدان.
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبالتزامن مع نشوء واستقلال الدول العربية، بدأت الماكينة الإعلامية العربية في كل بلد تنتهج مثل هذا الخطاب العاطفي، الذي يركز على إرضاء الجمهور، مقابل إخفاء الحقائق أو تجاهلها والقفز عليها، وذلك يؤدي حتماً في كافة المراحل إلى الانتظام في ممارسة تخدير المجتمعات إعلامياً، وعدم مساعدتها على التعامل مع حقائق الواقع وما تفرضه من تحديات مستقبلية.
أحدث اختبار سقط فيه الإعلام العربي مؤخراً، عندما قرر الاستمرار في استغفال الجمهور، واستخدام الأسطوانة العاطفية المعتادة، يتمثل في أسلوب تغطية وتناول الأخبار المتعلقة بخطة السلام الأميركية، التي أعلن هنا الرئيس ترامب، وقدمت ما يفترض أنها رؤية لحل القضية الفلسطينية.

كان الأولى أن يتم التعامل الإعلامي مع هذا الحدث بشكل أساسي من زاوية نقل التفاصيل كما وردت، ثم تقديم إطلالة على تاريخ القضية، وما حدث في الماضي من انتكاسات تخللتها مقترحات وخطط سابقة للسلام، بما فيها الاتفاقيات التي تم توقيها بالفعل، وتقتضي المهنية الإعلامية كذلك الإشارة إلى أن ما تم طرحه في الماضي من مقترحات لحل القضية الفلسطينية كانت تعتبر مقارنة بما يتم اقتراحه حالياً عروضاً متقدمة وأكثر إيجابية.
لكن حتى الآن، لا يزال الإعلام العربي يخاطب القلب ولا يخاطب العقل، مما جعله يبتعد عن تناول هذا الحدث وغيره بمهنية واحترافية، وبعيداً عن تقييمنا لخطة السلام الأميركية وملابساتها ومدى نجاحها، فإن هذا المسار متروك للسياسيين والمفاوضين، وليس لمنابر الإعلام، كما نجد أن الكثير من وسائل الإعلام التي تتاجر بقضية فلسطين، تبث من دول لديها علاقات جيدة مع إسرائيل، ورغم ذلك لم تحقق شيئاً للقضية.

لقد ظهر الإعلام العربي حائراً بين خيارين: الأول يفترض تناول خطة السلام الأميركية بأسلوب واقعي، اعتماداً على مكاشفة الجمهور بمآلات قضية فلسطين وأفقها المسدود، وما تمثله الخطة، باعتبارها نافذة الممكن والمتاح، الذي يمكن البناء عليه وتطويره والتفاوض بشأنه لتحقيق المزيد من المكاسب، وخاصة أنها تطرح تصوراتها للحل، في ظل الصمت والتأجيل الطويل لحل القضية.

أما الخيار الثاني، الذي رأى الإعلام العربي أنه الأسهل والأقل كلفة والأقرب لعاطفة الجمهور، فهو تناول خطة السلام الجديدة من منظور خطاب العاطفة والإنكار، وتشغيل أسطوانة المتاجرة المعتادة بقضية فلسطين، مع تخوين الآخرين وتوزيع تهمة التطبيع في كل الجهات، رغم أن أغلب المنابر التي انتهجت هذا الخطاب، بما يحمله من نبرة عدوانية موجهة ضد العرب أكثر من إسرائيل، تتبع حكومات لديها علاقات جيدة لا تنكرها مع الطرف الإسرائيلي، وكعادتها وجدت إحدى القنوات التليفزيونية الإخبارية في خطة السلام الأميركية فرصة مثالية لإعادة المتاجرة بالموضوع الفلسطيني، الذي يحظى باهتمام عالمي، ويحتل وجدان كل إنسان عربي، ومن هذا المدخل تم استغلال هذا الملف، لكن بأسلوب إعلامي انتهازي، آثر مخاطبة المتلقي بما يريد أن يسمعه، وبما اعتاد عليه من شعارات، وهذا نوع مكشوف من الخداع والاستخفاف بالعقول.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد