: آخر تحديث

بورسودان.. فوارق ومفارقات    

8
9
6
مواضيع ذات صلة

 حسن حنفي

هذا تحليل قريب من الجغرافيا والتاريخ، وهو يدخل في مجال الظاهريات الاجتماعية، أي توصيف التجارب الحية، بعد زيارة قصيرة لمدينة بورسودان الساحلية على البحر الأحمر، والتي لا تبعد كثيراً عن سَواكِنْ وجنوب  الحدود  المصرية  في  حلايب  وشلاتين،  ليس  في هذه المدينة  أثر  يُذكر  لبريطانيا،  على  الرغم  مما  تعلمناه  في  المدارس  عن  الاستعمار  الإنجليزي  للسودان،  صحيح  أن  لفظ « بور»  معرّب  عن  الإنجليزية  أو  الفرنسية،  لكنه  تحول  إلى  لفظ  عربي  مثل  بورسعيد،  وبورتوفيق،  والحضور  الأميركي  غائب  تماماً،  على الرغم  مما  يُقال  عن  عرب  الشرق  والشمال،  وعن  التحالف  الإسرائيلي  الأميركي،  أما  الحضور  المصري  فهو كثيف، ويتجسد  في  العمالة  والمنتجات  والجو  الشعبي  العامي  واللهجة  والرائحة  والعواطف  والانفعالات.

مدينة بورسودان، مثل معظم مدن السواحل، تمتد طولاً لا عرضاً، أهم شوارعها هو الكورنيش على امتداد البحر الأحمر، قبل الوصول إلى الميناء، وهي المدينة الثانية بعد العاصمة الخرطوم، والميناء الأول مثل الإسكندرية بالنسبة للقاهرة، فيها مطار دولي تصله الرحلات المباشرة من القاهرة مرتين أسبوعياً، وبعد وصول آخر طائرة محلية (سودانية) أو دولية (من الحجاز) يغلق المطار وتطفأ أنواره، يحتاج المواطن الذي يقل عمره عن الخامسة والأربعين، إلى تصريح من الأمن العام، خشية أن يكون عضواً بإحدى الجماعات المتطرفة، الكورنيش نظيف، وهو طريق ممهد بالأسفلت، وعلى جانبيه تصطف فيلات سكنية أنيقة، تفصل بينها مساحات خضراء طبيعية، وعلى أحد الجانبين هناك نادي علية القوم، وعلى نفس الضفة خيمُ مقاهٍ، ويشق الكورنيش ميدان «حبيبي مفلس» المفتوح للجميع، للقاء الأحبة والأصدقاء، وقبل الميناء هناك السوق الشعبي، الذي يزخر بكل شيء، وفيه يبدأ الزحام.

وفي طريق العودة من الداخل، أي عبر الطرقات الموازية للكورنيش داخل المدينة، تظهر المفارقات الصادمة، بيوت من الطوب الأحمر ذات الطابق الواحد، ودكاكين المهنيين: السباكين، النجارين، الحدادين، والمنجدين.. وبعضها بالخشب والصفيح، أي ما نسميه في مصر «العشوائيات»، وبين هذه البيوت طرقٌ غير ممهدة يعلوها التراب، وبقدر ما يشعر الإنسان بالسرور وهو سائر على الكورنيش، ينتابه الحزن والغم وهو سائر في الداخل، وسيتذكر تفرقة القدماء (خاصة الصوفية) بين الظاهر والباطن، بين العمار والخراب.

لو كنتُ مواطناً سودانياً، وأنا أمام هذه المفارقة، فماذا أفعل؟ سأعمل على إذابة الفوارق بين الطبقات، وهذا تعبير ناصري معروف، وله في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ما يسنده ويعضّده،  والهدف  هو  تحقيق  العدالة  الاجتماعية،  عن  طريق  الموروث الديني  والشعبي.  والخوف  كل  الخوف،  أن  تسيطر  الجماعات  الدينية  المحافظة  على  تفسير  الدين،  لتجعله  مجرد  شعائر  وطقوس  أو  كفارات  وحدود  أو  «حاكمية  لله»..  فتخرج  على  المجتمع  بعد أن كفّرته  لترتكب  أبشع  أنواع  العنف، دون  الأمر  بالمعروف  والنهي  عن  المنكر،  وإعطاء  الأولوية  للتغيير  باليد  وليس  باللسان  أو  القلب،  وقد  أتى  التطبيق  العربي  للاشتراكية  (أي  الناصرية)،  من  أجل  تذويب  الفوارق  بين  الطبقات،  والإصلاح  الزراعي،  والتأميم،  والقطاع  العام،  والتصنيع،  ولجان  تقدير  الإيجارات،  وشتى  مشاريع  التنمية.  والخوف  أن  تنقلب  الناصرية  من  داخلها  وعلى  نفسها،  فتتحول  إلى  نقيضها، وربما تحولت إلى الماركسية مباشرة، فهذه الأخيرة أكثر صراحةً في الدفاع عن العمال والفلاحين، وفي اعتبار العمل مصدر القيمة، وفي القول بفكرة الصراع بين الطبقات، وفي فك العلاقة بين السلطة ورأس المال، والخشية أن يتم اتهام الماركسية بالمادية والإلحاد، مما يجعل محاصرتها سهلةً وسط الثقافة الشعبية الدينية المتزمتة، وقد تتحول الماركسية إلى نوع من العقائدية التقليدية، على الرغم من تطورها في الماركسيات الجديدة، كما قد يتم اتهامها بالتبعية للاتحاد السوفييتي السابق، أو لكوريا الشمالية أو لكوبا.. أو لما تبقى من النظم الماركسية التقليدية.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد