: آخر تحديث

خطورة إعادة إنتاج عبد المهدي  

19
18
15
مواضيع ذات صلة

  محمد السعيد إدريس

يبدو أن الشعار الذي سبق أن رفعه المتظاهرون اللبنانيون في وجه الطبقة السياسية الحاكمة رفضاً لها بكل مكوناتها الطائفية، وإعلاء للمبادئ والمطالب التي انطلقت من أجلها الاحتجاجات مؤكدة ضرورة إسقاط حكم «الطائفية السياسية» والقائل: «كلن يعني كلن» سوف يحكم مسارات الأزمة العراقية أيضاً التي دخلت مرحلة أكثر حسماً عندما اضطر عادل عبد المهدي إلى الاستقالة، لسبب أساسي هو أن الطبقة السياسية المطلوب إسقاطها كضرورة لتأسيس حكم مدني ديمقراطي غير طائفي هي نفسها التي تتولى هذه الأيام مهمة اختيار خليفة عبد المهدي، وبعده تبدأ مشاورات تشكيل الحكومة وفق ذات الضوابط التي تفرضها «الطائفية السياسية» وخاصة «المحاصصة» أي توزيع الحقائب الوزارية والمسؤوليات السيادية العليا (رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية) وفقاً لتلك الضوابط الطائفية.

أكد هذا المعنى ذاته عادل عبد المهدي في إعلانه الاستقالة، فالرجل لم يقل أنه يستقيل استجابة لمطالب شعبية تجاوزت الحدود الضيقة للإصلاحات المشوهة وعازمة على عدم التراجع عن مطالب التغيير الجذري وعلى رأسها إسقاط «الحكم الطائفي»، ولكنه تعمد أن يؤكد أن استقالته جاءت استجابة لدعوة «المرجعية الشيعية العليا» ممثلة في السيد علي السيستاني، دون أي إشارة إلى مطالب جماهير المتظاهرين وهتافاتهم التي تطالب بإسقاط النظام، وهو هنا يؤكد، دون أي مواربة، أن القرار الأعلى في البلاد أضحى بيد المرجعية الشيعية وهو هنا يقحم العراق كله بكل مكوناته في دوامة صراع أعنف حول هوية الدولة وهوية الحكم، هل هي دولة مدنية وحكم مدني أم حكم طائفي.
خطورة هذه الإشارة من عبد المهدي أنها قد تدفع بالعراق للتورط في صراع آخر غير الصراع الدائر الآن الذي يوحد كل العراقيين من كل الطوائف خاصة الشيعة والسنة. فأعنف التظاهرات الاحتجاجية كانت في محافظات الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية وهي التي تطالب بإسقاط النظام الطائفي، ولم تتظاهر لدعم هذا النظام، كما طالبوا بالعدالة والشفافية ومحاكمة كل الفاسدين، واستعادة أكثر من تريليون دولار جرى نهبها من ثروات العراق وعوائده النفطية وموازناته الحكومية، ولم تذهب لمشاريع البناء والتعمير وإعادة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وبناء مؤسسات الحكم القوي، كما تظاهروا من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي ترتكز بالأساس على «مبدأ المواطنة المتساوية» وإلغاء كل أنواع التمييز في تولي المناصب، ودعم الوحدة الوطنية على أساس من «الهوية الوطنية الجامعة»، وهي مطالب تتناقض تماماً ما يرمي إليه عبد المهدي، لأنه لا ينحرف فقط بمجرى دعاوى المتظاهرين ويخطط للتملص منها بل إنه بإعلانه الاستقالة استجابة لمطالب «المرجعية الشيعية العليا» يريد، سواء عن قصد أو غير قصد، أن يجعل العراق دولة تحكمها المذهبية وموالاة السيستاني، وهو مبدأ مرفوض علناً من السيستاني و«الحوزة النجفية».

إن كلام عبد المهدي يمكن أن يفجر العراق كله من الداخل، ويجعل من خطر تفكيك العراق وتفجير حرب أهلية طائفية ثمناً لإجهاض مطالب التغيير والإبقاء على الطبقة السياسية الحاكمة وإعفائها من أي محاكمة أو محاسبة سواء على الفساد أو على الفشل في الحكم، أو في قتل المتظاهرين وهي جرائم لا تسقط أبداً بالتقادم.

مشاورات هذه الطبقة الحاكمة المطلوب إسقاطها لاختيار خليفة لعادل عبد المهدي تؤكد أن ما يحدث الآن هو إعادة إنتاج عبد المهدي، وإعادة إنتاج حكومته مع تغيير فقط في الأسماء وفي تولي الحقائب الوزارية، وهي إجراءات ليس لها غير معنى واحد هو التخطيط لإخماد الانتفاضة الراهنة للشعب العراقي اعتماداً على أدوات الاستبداد والقهر الأمني، وهو، بالأساس، خيار دموي لن يرضى به الشعب العراقي وسيواصل العمل من أجل إفشاله، وإنجاح مساعي التغيير، لكن الثمن سيكون مضاعفاً سواء في أعداد القتلى والجرحى أو في تدمير مؤسسات الدولة، وهي كلها مطالب تخدم مصالح كل من يعملون، بشتى السبل، للحيلولة دون عودة العراق دولة قوية موحدة ومتماسكة وقادرة على الدفاع عن سيادتها الوطنية، وتحقيق التقدم واستقلالية القرار الوطني دون أي تبعية أو إملاءات خارجية إقليمية إيرانية أو دولية أمريكية. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد