: آخر تحديث

أزمتا لبنان والعراق

6
5
5
مواضيع ذات صلة

 محمد العسومي

هناك حكمة تقول، بأنه «لا يوجد بلد غني وآخر فقير، بل هناك إدارة جيدة وأخرى سيئة»، وإذا نظرنا إلى التطورات الاقتصادية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، فإننا سنجد أن هذه المقولة صحيحة إلى حد بعيد، فهناك بلدان تمكنت من الارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة بموارد محدودة، كسنغافورة وكوريا الجنوبية، في حين هناك دول تتمتع بموارد وثروات هائلة، إلا أنها تقع في الحضيض، وتعاني شعوبها من الفقر والبطالة وتدني مستويات الخدمات، حيث تأتي العراق وليبيا ولبنان على رأس هذه الدول، والتي تحولت إلى دول فاشلة.

السبب الرئيسي لذلك، هو سوء الإدارة والفساد المستشري في أجهزة الدولة والطبقة الحاكمة على وجه الخصوص، حيث تعمق ذلك بصورة مخيفة في العراق ولبنان، بعد أن استنسخت تجربة الفساد بكل مساوئها ومآسيها، فتضخمت الحسابات المصرفية لكبار المسؤولين، الذين استولوا على أملاك الدولة بصورة بشعة، تشكل جريمة بكل المقاييس، تم ذلك تحت شعارات طائفية مموهة، اكتشفها الشعبان اللبناني والعراقي في الآونة الأخيرة، وهو ما قاد إلى الأحداث التي لا زالت مستمرة.
هذه الحقائق، تؤكد ما ذهبنا إليه حول استغلال القضايا الطائفية للنهب وتصدير الفساد، وإذا كان مفهوماً تماماً توحد مطالب الشعبين اللبناني والعراقي، ووقوفهما صفاً واحدا، وتجاوزهما للتفاوتات العرقية والطائفية، فإنه من المفارقات الغريبة أن هناك توحداً مضاداً للقوى الطائفية الحاكمة في البلدين، التي جمعت طاقتها لحماية مصالحها، حيث تسترت لسنوات طويلة بالشعارات الطائفية لتبرير نهبها، فتوحدت الرئاسات الثلاث من سنة وشيعة ومسلمين ومسيحين وعرب وغير عرب، ممثلين في رئاسة الوزراء والبرلمان والدولة في كل من بغداد وبيروت للتصدي للمحتجين، وهو ما يشكل درساً بليغاً لبعض القوى التي لا زالت مؤمنة بالتجربة الطائفية، التي أدت إلى تراكم الأخطاء، وضياع الموارد، وتدني المستويات المعيشية، وازدياد الفوارق الاجتماعية، والكثير من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية التي تمخضت عن هذا النهج الفاشل..

لقد ضاعت عقود من التنمية لشعوب تملك كل مقومات النمو والتطور، من موارد طبيعية وبشرية ومالية، كالمتوفرة في العراق لكونه رابع أكبر مصدري النفط في العالم، وحرم الناس من أبسط الخدمات الأساسية، التي تتوفر في بلدان أخرى أقل غنى بكثير.
هل يمكن لهذا الضياع للثروات والفرص، الذي تسبب فيه تصدير الفساد بصورة أساسية، أن يمر دون محاسبة؟ لقد ساهم اكتشاف الحقيقة إلى المطالبة بمحاسبة الفاسدين، وعلى رأسهم حزب «الدعوة» في العراق، وزعيم «حزب الله» في لبنان حسن نصر الله، المسؤولان مسؤولية مباشرة عن ضياع فرص التنمية وحماية الفاسدين، إضافة إلى مسؤولي الأحزاب والطوائف الأخرى، والذين يحاولون الآن تبرير فسادهم بشتى الطرق، بما في ذلك إلقاء اللوم على الخارج، إلا أن ذلك لم ينطلِ على عامة الناس، مما يؤكد صعوبة خداع كل الناس في كل الأوقات.

بالتأكيد، الأمر ليس بهذه السهولة، فاتحاد ممثلي مختلف الطوائف الفاسدة والمتحالفة في رأس هرم السلطة، لن يتنازل بهذه السهولة رغم حجم الثروات الهائل، الذي تم نهبه دون وازع ديني أو أخلاقي، إلا أن هناك إمكانية كبيرة للتغيير، ووضع هذه البلدان من جديد على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بإدارات وقيادات جديدة لا طائفية، مع منح فرص متساوية لكل مكونات المجتمع، إلا أنه من المحزن أيضاً أن العراقيين واللبنانيين لن يتمكنوا من استرداد الثروات المنهوبة، كما تؤكد تجارب دول أخرى، كإندونيسيا والفلبين، مما سيضع الشعوب أمام تحديات، يمكن تجاوزها بحكومات تكنوقراط جديدة، تؤكد مقولة إن الإرادة الجيدة والنظيفة هي سر التنمية.
 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد