: آخر تحديث

رهان إيران... علينا وعلى العالم

5
8
5
مواضيع ذات صلة

  إياد أبو شقرا

 

الذين يرصدون الشأن الإيراني منذ بعض الوقت توقّعوا تصعيد طهران الذي نشهده هذه الأيام.
كانوا ينتظرون رفع سقف المواجهة بغية توجيه رسالة واضحة إلى من يعنيهم الأمر مضمونها أن تكلفة أي مواجهة حربية مع إيران ستكون عالية جداً.
لقد كان «خيار شمشون» دائماً جزءاً أساسياً من تفكير نظام يقوم على شبكة من مختلف أشكال التسلط، أبرزها التسلط الديني عبر الهوية الدينية - المذهبية للنظام، والتسلط العسكري عبر القوات المسلحة و«الحرس الثوري» وباقي الميليشيات، والتسلط الاقتصادي – المافيوي الذي يرتبط ارتباطاً عضوياً بسابقيه.

ثم إن استراتيجية «تصدير الثورة»، في حد ذاتها، تجسّد خارج أراضي إيران ومياهها أشكال التسلط الثلاثة، يضاف إليها الاستعلاء القومي الاستنهاضي لهويّة أمة قَبِلت الإسلام بشروطها ووفق تعريفها المصلحي الخاص. ولذا، يستحيل الفصل بين الهوية السياسية للنظام الإيراني واستراتيجية «تصدير الثورة»... أي الهيمنة على الدول المجاورة، وتفجيرها مذهبياً من الداخل إذا –وحيث- دعت الحاجة.
قد تكون هناك خلافات داخل القيادة الإيرانية، كما نسمع دائماً. نعم، ربما يكون هناك تيار عقلاني وآخر مغامر. قد تكون ثمّة قوى معتدلة تفضّل الصبر على تحقيق أهدافها من دون الحاجة إلى استنفار العالم ضدها... مقابل أولئك الذي يريدون الحسم اليوم قبل الغد. وربما تقف جهات «إصلاحية» تؤمن بأن المقاربات الهادئة مفيدة لفتح ثغرات في جدار العلاقات الدولية، اليوم وبشجاعة، في وجه «عسكريتاريين» اقتنعوا بأن الهجوم دائماً خير وسائل الدفاع.
كل هذا ممكن. لكن علينا، في نهاية المطاف كعرب، لديهم تاريخ عاصف مع حضارة «جيراننا» عبر الخليج وجبال زاغروس، أن نأمل في الأفضل... مع إعداد العدة للأسوأ.
وراهناً، مع تذكّر حلم الشاه محمد رضا بهلوي أن يكون «سيد الخليج»، ندرك أن قادة «الثورة الإسلامية» ذهبوا أبعد منه في هذا المشروع... وبمراحل. وكذلك، من دون تكرار الحقائق - التي بات يعرفها كل عربي عاقل عمّا زرعته طهران في كلٍّ من العراق وسوريا ولبنان واليمن - لا يجوز لنا أن نستخفّ بالتطورات الأخيرة في خليج عُمان وفي جنوب غربي المملكة العربية السعودية، بينما نزن الأمور بميزان العقل والمصلحة والتوقّعات والرهانات.
بدايةً، على المستوى الخليجي، لا بدَّ من الإقرار بأن الجبهة الداخلية الخليجية يمكن أن تكون أكثر متانة وحصانة بكثير مما هي عليه اليوم. وهنا أقول إننا حتى إذا أغفلنا هذا الواقع... فإن مخطِّطي نظام الملالي يفهمونه جيداً ويستغلونه تماماً.
أيضاً على المستوى العربي، لا يبشّر الوضع العام بحالة تضامنية ضرورية لمواجهة خَصم بصلف نظام طهران وعنجهيته وشراسته. فموقف العراق خلال قِمم مكة المكرمة الثلاث لا يحتاج إلى تفسير. وهوية ما تبقَّى من نظام في سوريا صورة معبّرة عن سقوطها في الحضن الإيراني – الروسي. أما لبنان فتشكل سلطته الرسمية ستاراً خفيفاً وشفافاً لنفوذ الجهة الحاكمة فعلاً... كما تبيَّن من ظروف إطلاق الأسير اللبناني نزار زكّا، ناهيك من المواقف الرئاسية والوزارية المؤسفة من اللاجئين السوريين. وبالطبع، هناك الحالة اليمنية التي أضحت عنواناً مقلقاً للتواطؤ الدولي مع القيادة الإيرانية التي يشكِّل الحوثيون امتداداً لها عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. وأخيراً، حتى بعض الدول العربية، المتحرّرة حتى اللحظة من نِير نفوذ طهران، نراها تتخبّط اليوم في مشكلات سياسية وأمنية تُشرع الأبواب فيها على كل الاحتمالات غير المطمئنة.
ونصل إلى المستوى الدولي. وهنا لا بدَّ من المصارحة ببضع حقائق:

- الحقيقة الأولى، أن الموقف الأميركي المتشدّد ضد العربدة الإيرانية الأخيرة في خليج عُمان، يعطي إشارات متعددّة، منها أنه حازمٌ في تحذيره طهران من الاعتداء على حرية الملاحة في منطقة الخليج، كما أنه مُصرٌّ على تغيير طهران «سلوكها». ولكن في المقابل، بغضّ النظر عن الأسباب الحقيقية، تكرّر واشنطن القول إن تصعيدها ضد إيران لا يهدف إلى تغيير نظامها.
- الحقيقة الثانية، أنه لا وجود لإجماع في واشنطن خلف سياسات الرئيس دونالد ترمب إزاء إيران، بل إن معظم خصومه الديمقراطيين ما زالوا ملتزمين سياسة المحاباة والمداراة التي اعتمدها سلفه الديمقراطي باراك أوباما.
- الحقيقة الثالثة، أن المناخ السياسي العام في أوروبا الغربية، وبالذات في ألمانيا وفرنسا، يعارض أي تصعيد ضد إيران... وهذا ما كان وما زال واضحاً من الموقف من «الاتفاق النووي» أيضاً. أضف إلى ذلك، أن جزءاً لا بأس من الاعتراضات الأوروبية على تصعيد ترمب ضد إيران قائم أصلاً على رفض قوى أوروبية عديدة لشخص الرئيس الأميركي وخطه السياسي اليميني. وبالتالي، وجدت طهران لها حليفاً غير مباشر لا علاقة له بعدوانيتها وسياساتها المدمّرة إقليمياً.

- الحقيقة الرابعة، أن نظام طهران ليس غريباً عن فهم آليات عمل السياستين الأوروبية والأميركية، ناهيك من استقوائه بعلاقاته التكتيكية القوية مع كلٍّ من روسيا والصين. ففي أوروبا يستطيع الإيرانيون الاعتماد على التيارين اليساري والليبرالي المناوئين لسياسات ترمب، وفي الولايات المتحدة لدى طهران «لوبي» ناشط في أروقة القرار والإعلام الأميركية. ثم إن معظم الذين شغلوا منصب وزير الخارجية في نظام الملالي، منذ صادق قطب زاده (ولايتي وخرازي وصالحي وظريف)، عاشوا في أميركا ودرسوا في جامعات أميركية وتفاعلوا مع الثقافة الأميركية، وعليه، فهم يعرفون مواطن القوة والضعف، والمصلحة والمصلحة المضادة، في سياسات أميركا الدولية والشرق أوسطية.
- الحقيقة الخامسة، أن الحصار الاقتصادي الأميركي لإيران -وهو مؤلم بلا شك- حفّز قادتها على التصعيد من أجل إرباك المشهد وتخويف المجتمع الدولي من مغبة الذهاب بعيداً في حرب «سيدفع ثمنها الجميع»، كما لوّح وزير خارجيتها محمد جواد ظريف. وجاء العدوان السافر على مطار أبها (المدني) قبل ساعات معدودات من الاعتداء على ناقلتي خليج عُمان... واستمرار هجمات «الدرون» الحوثية، لتأكيد هوية المسؤول عمَّا حدث ولماذا حدث.
ما شهدناه خلال الأيام الماضية تطوّر تاريخي خطير، فهل يسيء المجتمع الدولي فهمه... مجدّداً؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد