: آخر تحديث

ليبيا ومسارات صعبة

2
3
2
مواضيع ذات صلة

 محمد بدر الدين زايد  

عندما تبدأ المعارك العسكرية وتتضارب المعلومات لا بد من الحذر والتريث في إطلاق الأحكام، وهو ما ينطبق بشكل خاص على الحالة الليبية التي يحيط بها الكثير من قلة المعلومات منذ البداية، فعندما وقعت العاصمة الليبية تحت سيطرة الميليشيات المتشددة والمحترفة وتم ذلك بتواطؤ أطراف عدة، وخرجت كثير من السفارات التي استهدفت من هذه الميليشيات وبقي بعضها ممن يتبادل الرضا والموالاة مع كل أو بعض هذه الميليشيات، كما خرج كثير من الإعلاميين الليبيين وغير الليبيين، أصبحت المعلومات قليلة وبشكل متعمد، وبشكل خاص فيما يتعلق بالعاصمة وبعض مدن غرب ليبيا، وهو ما حدث في كل موقع سيطرت عليه الميليشيات في كل أرجاء هذا البلد متسع المساحة حتى تحرك الجيش الليبي منذ أعوام عدة، فأحد عناصر المشهد تقليل المعلومات عن العالم كي لا يرى هذه الفضائح وأنماط سلوك التيار الموظف للدين، وساعد أكثر على ذلك طبيعة المجتمع الليبي المحافظ والقبلي.


من هنا كانت الكتابة عن هذا البلد العزيز يحتاج دوماً إلى بذل جهد كبير في استقصاء المعلومات ومراجعتها، كما أزعم أنه من دون إدراك دقيق للحقائق الأساسية التي كونت المشهد الليبي الحالي، فإن توافر المعلومات وحده غير كافٍ، ودليل ذلك مفاجأة أغلب المعلقين بوجود قوات أميركية ما كانت ستتواجد إلا بسبب تفاهمات عميقة مع هذه الميليشيات أو مع من يحركها على الأقل، وكذلك فيما يتعلق بإشكالات اتفاق الصخيرات وحكومة الوفاق، وعموماً ما سبق مقدمة طويلة بعض الشيء لمن أراد أن يفهم بعض جوانب الصورة المعقدة بشأن ليبيا، والتي سأكتفي فقط بتناول بعض أبعادها أو أسئلتها.

ربما يكون السؤال الأول هو: هل تعجل المشير حفتر، وهل كان هناك مسار سياسي محتمل حدث، وبشكل محدد هل يأتي هذا لإعاقة المؤتمر الوطني الذي دعا له المبعوث الأممي غسان سلامة في غدامس والذي تم تأجيله بالفعل لأجل غير مسمى، على أن هذا الأمر لا يناقش بتجاهل الخطوات التصعيدية المتوالية من جانب حكومة السراج بالزيادة المتتالية لأعداد الوزراء ممثلي التيارات المتشددة في حكومته على حساب الأغلبية الحقيقية في البلاد. والأهم من كل هذا لو كان السراج وحكومته يرغبون في وطن بلا ميليشيات وفوضى سلاح فلِمَ كان موقفهم الانفعالي عندما تحركت قوات الجيش الليبي في اتجاه الجنوب، حتى وصل الأمر إلى تقديم شكوى في الأمم المتحدة؟ آنذاك اكتفيت بالإشارة في مقالتي بهذه الصحيفة إلى أنه يبدو أن الهاجس لديهم، أي السراج والميليشيات، أنهم يخشون من تحرك الجيش تجاه العاصمة. في الحقيقة إنهم يخشون أي مساس بالفوضى التي هي هدفهم حتى يرتبوا لأمر واقع يصبحون فيه الدولة كاملة، ولكنهم لا يبذلون جهداً حقيقياً حتى للترتيب لذلك، وذلك لأن ساحة الميليشيات لا تقتصر على المتشددين وإنما أيضاً تتضمن ذوي الإجرام كذلك، والذين يتحالفون معاً من أجل تصعيب عملية عودة الشرعية بأي شكل، والقوى الغربية والإقليمية، وتحديداً تركيا وقطر، التي تتستر وتدعم هذه الميليشيات والفوضى، تحاول أن تخفي هذا الواقع الواضح أمام الشعب الليبي الذي يعاني هذه البلطجة التي تدمر وتشوه حياته. من هنا كيف لأحد أن يصدق مؤتمراً للحوار الوطني مع طرف لا يريد أن تتوقف ظاهرة الميليشيات، ويعتبر المساس بها تهديداً لمستقبله، وهي التي تتولى الدفاع عنه الآن!

السؤال الثاني ويرتبط بإجابة السؤال الأول هو: حقيقة الموقف الذي تتبناه القوى المسيطرة في العاصمة تجاه توحيد البلاد ومؤسساتها ودلالات ذلك؟ فمن الواضح أن مصر وبعض الأطراف الدولية والإقليمية وطبعاً الشعب الليبي يدركون جميعاً أهمية توحيد مؤسسات الدولة الليبية كخطوة ضرورية للعملية السياسية في ليبيا، وربما عبّر عن هذا لافروف بطريقة واضحة عندما قال بعد اتصال مع نظيره المصري سامح شكري منذ أيام، إن بلاده مثل مصر تأمل أن يقرر الليبيون مستقبلهم بأنفسهم، والبدء بحوار شامل من دون أي نوع من المواعيد المصطنعة التي يحاول البعض أن يفرضها عليهم من الخارج، كما كان واضحاً أيضاً في تأييد بلاده توحيد المؤسسات العسكرية الليبية ومؤسسات الدولة الليبية، على أنه فيما يبدو أن التيارات المتطرفة لا تريد تحقيق هذا بشكل حقيقي، ما يؤكد مرة أخرى أن هؤلاء الذين يسيطرون على طرابلس يريدون استمرار الانفصال بين الشرق والغرب، بما يتيح لهم التمكين وترتيب الأمور، وليس هاجس التسوية الحقيقية، وهذا ما يفسر غياب هذا البعد في أغلب تصريحات السراج والقوى التي توظف الدين في السياسة، بمعنى آخر الحوار والعملية السياسية كي تنجح يجب أن يكون هناك حد أدنى من الأرضية والأهداف المشتركة، التي بالطبع يجب أن يكون مفهوم الدولة والمصلحة الوطنية أساسها، وإذا كان طرف حكومة الوفاق ليست هذه أولوية عنده، فما هو إذن مستقبل هذا الحوار ومصيره؟

أما السؤال الثالث فهو تفسير طبيعة الموقف الدولي، الذي أكد أغلبه ضرورة الحل السياسي وليس العسكري للأزمة في ليبيا، ومن دون شك أن الحلول العسكرية دوماً مكلفة وغير مضمونة العواقب، وأن التسوية السلمية يجب أن تكون الخيار الرشيد، ولكن هل هذا ممكن بشكل حقيقي في حالة ليبيا مع إصرار الطرف المدعوم من الميليشيات، أي حكومة الوفاق الوطني، على عدم المساس بهذه الميليشيات، ومن ثم الإصرار على الفوضى في البلاد، هل كانت هناك أي مؤشرات على استعداد لطرح جدي لمسألة سلاح الميليشيات ووضع الأولوية لمستقبل البلاد، تحججت هذه الأطراف منذ ظهور عملية الكرامة بتحفظاتها ضد خليفة حفتر، وهي في الواقع بمماطلتها وإصرارها على عدم جعل المصلحة الوطنية وسلامة الدولة والشعب الليبي أساساً للحوار، هي التي أعطت الفرصة ومكنت من أن يكون خيار المشير حفتر هو الخيار الوحيد أمام أعداد كبيرة من الشعب الليبي، وبالنهاية المواقف الدولية التي انفعلت بحدوث هذه المعارك كشفت خياراتها ورغبتها في استمرار أوضاع العاصمة طرابلس وسيطرة الميليشيات، أو لنقل بشكل محدد إن هذه الأطراف الغربية ومعها أو قبلها تركيا وقطر كل ما يهمها إبقاء خيار الإسلام السياسي أياً كانت مصالح الشعب الليبي ورغباته الحقيقية، وارتباطاً بهذا كنت سأتفهم المخاوف الغربية من طموحات حفتر لو ارتبط بها بل سبقها موقف قوي ضد نفوذ وسيطرة الميليشيات في الغرب الليبي.

السؤال الأصعب هو: ما هو مصير هذه المواجهات، وهل هي فقط بين الجيش الوطني ضد الميليشيات، وربما معها بعض عناصر الجيش المؤيدة لحكومة الوفاق أو التيارات المتشددة أم أن هناك بعداً دولياً؟ أعتقد شخصياً أن هناك بعدين سيكون لهما تأثير حاسم؛ أولهما: البعد الخارجي والذي سيزداد تأثيره في حالة امتداد زمن المعارك، وثانيهما: متغير كبير لم يدخل بعد بما يكفي على الساحة الليبية الحالية، وهو المتغير القبلي، والذي قد يحسم الأمر بشكل أو آخر، ليس لأنه الأقوى في المعادلة الليبية الحالية، وإنما لأنه قد يحسم الكفة، وفي جميع الأحوال الأرجح أن الموقف العسكري ما زال غير واضح وأننا نحتاج إلى وقفة أخرى، وإلى بعض الوقت كذلك لاختمار هذه التفاعلات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد