: آخر تحديث

مقتل جورج فلويد: لماذا قررت عدم مشاهدة فيديو الحادث؟

8
4
6
مواضيع ذات صلة

امرأة تضع يديها على وجهها
Getty Images

في ظل الانتشار الواسع لمقطع الفيديو الذي يصور شرطيا يجثم على رقبة جورج فلويد كان من الصعب ألا يكون في متناولي.

لكني، كامرأة سوداء، اتخذت قرارا بأنني لن أشاهد الفيديو.

إن مشاهدة رجل أسود آخر يموت خلال عملية القبض عليه على يد شرطي أبيض آخر كان سيدمرني نفسيا.

أعرف أن الكثيرين سيقولون إن علي الشعور بالسعادة لأن الفيديو انتشر على نطاق واسع وكشف حقيقة مشكلة اجتماعية متجذرة في النظام الأمريكي منذ قرون. وماذا سيكون أكثر أهمية لصحفية مثلي من الوصول إلى الحقيقة؟

صادم

اكتشفت عبر السنين أن خطا دقيقا يفصل بين تعرية هذه الأعمال الفظيعة والمحافظة على صحتي النفسية، خصوصا أن القصة متجذرة في تجاربي الشخصية.

أظن أن أي شخص يشاهد هذه اللقطات سيجدها تبعث على الاكتئاب، لكن تأثيرها على شخص أسود مثلي سيكون في مستو آخر. هذه اللقطات قد تصيبني بالصدمات.

يصبح التضامن إنسانيا حين لا يرتبط بلون البشرة
Getty Images
يصبح التضامن إنسانيا حين لا يرتبط بلون البشرة

وحين تحدثت إلى نيا دوماس، وهي أمريكية من أصل أفريقي في العشرين من عمرها، أخبرتني أنها لم تستطع التوقف عن البكاء بعد مشاهدتها اللحظات الأخيرة من حياة جورج فلويد.

وأضافت "أحيانا كنت أبكي 4 مرات في اليوم. كان ذلك يسبب لي الصدمة تلو الصدمة".

وتعيش نيا في كليفلاند، ولاية أوهايو، حيث شاهدت الكثير من حوادث العنف.

كانت تشاهد حوادث قتل السود بشكل دائم طوال عمرها.

وقالت نيا "لم يكن ما حصل معي بتأثير جورج فلويد، بل شخص آخر. حين شاهدت الفيديو تذكرت مقتل ترافيون مارتن . كنت في الحادية عشرة عندها، وقد شاهدت المزيد من هذه الحوادث منذ ذلك الوقت، وقد تعبت من كل هذا ".

كان ترافيون مارتن شابا في السابعة عشرة، وقد قتله حارس في أحد أحياء فلوريدا، ثم حصل على البراءة عام 2012، على أساس "الدفاع عن النفس".

وأدى هذا الحادث إلى إطلاق وسم "حياة السود مهمة" للمرة الأولى.

"أحسست بأني أتحطم"

منذ ذلك الوقت استُخدم الوسم مرات عدة، كما أخبرني توني أديبيغبا، رجل بريطاني أسود في السابعة والعشرين، حين تحدثنا عن العنصرية وتأثيرها على الصحة النفسية.

وقال: "كان شهرا قاسيا، مضت أسابيع قليلة منذ انتشار فيديو أحمود أربري. لم أشف بعد من أثر مشاهدة لقطات الفيديو. ثم رأيت ذلك يحدث مرة أخرى".

كان أحمود أربري البالغ من العمر 25 عاما يمارس رياضة العدو حين أردي قتيلا خلال مواجهة بين أب وابنه في ولاية جورجيا.

توني اديبغبا
TONI ADEPEGBA

بالنسبة لتوني كانت مشاهدة اللحظات الأخيرة لحياة جورج فلويد أكثر مما يحتمل.

"لا أستطيع وصف ما أشعر به بالكلمات. أحسست بأني أتحطم. أحسست بأنني متعب، فربما كنت مكان هؤلاء الرجال".

وكان توني قد شاهد فيديو واسع الانتشار في نفس اليوم، تظهر فيه امرأة بيضاء من نيويورك في سنترال بارك وهي تطلب الشرطة، بعد أن طلب منها حارس أسود أن تربط كلبها، كما تقتضيه قوانين التجول في المنتزه.

ويقول توني "كشف هذا أمامي حقيقة ما يحدث بشكل جلي. كانت واعية لامتيازها كامرأة بيضاء في مواجهة رجل أسود. كانت تعرف أن بإمكانها التسبب باعتقاله أو حتى بقتله بمكالمة هاتفية واحدة".

لم يستطع توني مشاهدة فيديو جورج فلويد كاملا.

"أول ما تبادر إلى ذهني كان السؤال: لماذا يقف أولئك الناس هناك؟ لكن ربما كانوا يدركون أنهم قد يصبحوا في مكانه"، يقول توني.

في الأسابيع الأخيرة دخلت في العديد من المحادثات والجدل حول مدى فائدة نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي.

لاتيشا كاندولو امرأة سوداء في الثامنة والعشرين مولودة في باريس، من أسرة تعود جذورها إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.

واجهت صعوبة في البداية في مشاهدة فيديو جورج فلويد.

لاتيشا
LAETITIA KANDOLO

"كانت حالة العجز تلك مألوفة لي. اجتمعت في داخلي الكثير من المشاعر، وحين لم أعد أحتمل ضغطها عدت لمشاهدة الفيديو. كان عاجزا، وتماهيت مع حالة العجز تلك. يجب أن نجد طريقة لمحاسبة أولئك العنصريين".

وتابعت "إذا تمكنت لقطات الفيديو هذه من دفع الناس أصحاب الامتيازات بسبب لون بشرتهم إلى التفكير، ليكن. من المهم أن نتذكر أن أصحاب البشرة البيضاء يشاهدون الفيديو لكننا نعيشه. هذا هو واقعنا".

بالنسبة للكثير من أصحاب البشرة السوداء رؤية أصحاب البشرة البيضاء ينشرون الفيديو يطرح سؤالا حول المصداقية.

العنصرية المؤسساتية

متظاهر في نيويورك
Getty Images

وأبدت نيا شكوكا في الدعم الذي تراه على الإنترنت، إذا لم يتم التعامل مع قضايا أعمق مثل الامتياز الأبيض والعنصرية المؤسساتية.

وتقول "رأيت الكثير من المشاهير البيض يشاركون منشورات جاهزة وتبدو مصطنعة".

كما رأت أيضا أشخاصا يعرضون الدعم بحق، وهي تحس بالعرفان لذلك.

وأضافت "أريد أن أعرف كيف تشعر، ما هو رأيك كفرد، وما هي مساهمتك في النقاش . لقد أصبح مألوفا التفكير في أن مشاركة منشور أو فيديو على وسائل التواصل يعني التعبير عن الدعم. لقد تجاوزنا هذه النقطة الآن".

"ما زال المشهد يدور في رأسي"

حين يصادف أشخاص من ذوي البشرة السوداء فيديو كذاك، يرون فيه أنفسهم بالضرورة، أو عائلاتهم أو أسلافهم، في وسم على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقول توني "كنت أمارس رياضة العدو كثيرا حين وقع الحادث مع أحمود. خطر ببالي أن أحدهم ربما اتصل بالشرطة ظنا منه أنني أهرب بعد أن اقترفت جريمة. ما زلت أفكر أنني لو كنت في أمريكا ربما كنت مكانه".

وتقول لاتيشا "هناك لحظة يدرك فيها كل شخص أسود أنه صاحب بشرة سوداء وما يعنيه هذا للعالم".

محتج أمريكي
Getty Images

وتتذكر لاتيشا حين كانت في الثامنة عشرة وكانت تريد الالتحاق بمدرسة للموضة وتحدثت إلى والدها : "قال لي أنت سوداء البشرة وستعانين في الوسط الفني. سيكون عليك بذل جهود أكثر في العمل من أي شخص أبيض حتى يلاحظوك". هذا حطمني.

"قصته هي قصتي"

الأشخاص ذوو البشرة السوداء في جميع أنحاء العالم يعرفون جيدا أن تجارب العنصرية تتراوح بين الحوادث المتطرفة والحوادث اليومية الصغيرة، وكلها متجذرة في التاريخ ذاته.

في حالتي، كوني نشأت في شرق لندن ذي التعددية الثقافية أحسست بنوع من الحماية، لكن حين ذهبت لدراسة الصحافة في الجامعة كان علي أن أتعامل مع "العالم الحقيقي".

أصبح شكل شعري موضوعا للنقاش.

الصدمة التي تسببها تلك المشاهد لذوي البشرة السوداء ترتبط ليس فقط بتلك المقاطع بل بذكريات كثيرة كهذه، بعضها شخصي وبعضها عام.

وتقول لاتيشا "أعتقد أننا بدأنا ندرك أن قصة جورج فلويد هي ذاتها قصتي. نحن تفاصيل في قصة واحدة كبيرة".

وتضيف " لهذه الصور أهمية تاريخية ووزن بالنسبة لأصحاب البشرة السوداء. من مشاهد الضرب المبرح لقطع الأيدي في الكونغو تحت الاستعمار، هذه الصور تسبب الصدمات. كانوا يحاولون قتلنا، لكننا هنا ما زلنا نحاول أن نعيش".

لكن هذه الصور يمكن أن تصبح مرهقة جدا لشخص أسود البشرة، إلى درجة تحطيمه نفسيا.

وتقول لاتيشا "أحسست مؤخرا بالضغط الهائل الذي تسببه القراءة والمشاركة والنشر والتفاعل مع كل شيء يطهر على منصات التفاعل الاجتماعي ويتعلق بالقتل العنصري الأخير، حتى جاءت لقطة قتل جورج فلويد، حين بذلت مجهودا لحماية نفسي".

اختيار أولويتك

قال توني إنه كان عليه الوصول إلى حالة توازن بين المشاركة في محادثات حول العنصرية ووقاية صحته النفسية.

وأوضح "هناك ضرورة للتأكد أننا لن ننسى جورج فلويد، لكننا وكما قلت لأصدقاء سود البشرة، يجب ألا نشعر بضغوط من أجل مشاهدة هذه الصور أو نشرها. صحتك النفسية هي أولويتك".

وأضاف "الموضوع ليس أبيض في مواجهة أسود، بل هي قضية إنسانية بالدرجة الأولى. أعتقد أن التغيير يمكن أن يحصل حين لا تعود "مشكلة الآخر" وتصبح "مشكلتنا".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار