كثيرة هي الانتكاسات التي تلقاها العرب جراء السياسة الأميركية المتذبذبة في مختلف المجالات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، ودعم أميركا المطلق للكيان الصهيوني من خلال تقديم دعم سياسي وعسكري غير مشروط لإسرائيل، بما في ذلك تزويدها بأحدث الأسلحة والتقنيات، وقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017 ونقل السفارة الأميركية إليها، رغم المعارضة العربية والدولية، ودعم الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والتغاضي عن الانتهاكات والجرائم البشعة التي تُرتكب بحق الفلسطينيين ومحاولة تهجيرهم بالقوة خارج أرضهم، ومصادرة حقهم في العيش الكريم والاعتراف بهم كدولة مستقلة.
أيضًا، تلقى العرب انتكاسات متكررة كالتدخلات الأميركية العسكرية وتدمير استقرار الدول العربية، كغزو العراق عام 2003 بذريعة أسلحة الدمار الشامل، مما أدى إلى تدمير الدولة وانتشار الفوضى، والتدخل في ليبيا عام 2011 عبر دعم الجماعات المسلحة، ما أدى إلى انهيار الدولة وانتشار الجماعات الإرهابية. كذلك، لم تقف أميركا مع الدول العربية ضد إيران، حيث تم توقيع الاتفاق النووي مع طهران عام 2015 دون مراعاة المخاوف الأمنية لدول الخليج، إضافة إلى دعم المليشيات المسلحة وتسهيل إمدادها بمختلف أنواع العتاد العسكري والمالي، مما يقوض الأمن والاستقرار داخل الوطن العربي، وقصف البنى التحتية لدول عربية بحجة ملاحقة عناصر إرهابية. كما سعت أميركا إلى تقسيم السودان إلى دولتين والصومال كذلك، وفرضت عقوبات اقتصادية على بعض الدول العربية بحجج مختلفة، مثل ليبيا والسودان والصومال وغيرها. ثم تلا ذلك مؤخرًا تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه سيحرص على تهجير أهل غزة من وطنهم وعلى مصر والأردن استقبالهم، ثم أتبعه بتصريح لا يخلو من الاستفزاز للعرب بأنه ملتزم بشراء قطاع غزة وامتلاكه، مشيرًا إلى أنه قد يعطي أجزاء من القطاع الساحلي لدول أخرى في الشرق الأوسط. كما أن تصريحات ترامب التي وصف فيها بعض الدول العربية بأنها لا تستطيع البقاء دون الحماية الأميركية أثارت غضبًا واسعًا، وأكدت أن واشنطن ترى في العرب حلفاء تابعين وليسوا شركاء استراتيجيين.
إقرأ أيضاً: أمم تتطلع للمستقبل وأخرى أسيرة الماضي
والسؤال الذي بات يطرحه كل مواطن عربي: هل أصبحت أميركا حليفًا غير موثوق به وكشفت عن صهيونيتها المغيظة؟ وهل نحن أمام خيار البحث عن شركاء دوليين آخرين مثل الصين وروسيا لضمان توازن القوى وعدم الاعتماد الكامل على واشنطن؟!
هذا السؤال معقد ويعتمد على عوامل عدَّة، مثل المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لكل دولة عربية على حدة. تاريخيًا، كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والدول العربية متباينة، حيث قدمت أميركا دعمًا لحلفائها العرب في مجالات مثل الأمن والدفاع، والاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه اتخذت مواقف أثارت استياء بعض الدول العربية، مثل دعمها المطلق لإسرائيل والتدخل في شؤون المنطقة.
التحالف الأميركي العربي شهد إخفاقات واضحة بسبب السياسة الأميركية تجاه العرب، حيث غلب على الموقف الأميركي عدم الاستقرار في المواقف بين إدارة الحزب الجمهوري وإدارة الحزب الديمقراطي، مما أثر بشكل كبير على مبدأ التحالف بين الطرفين. كذلك، يعتبر الدعم غير المشروط لإسرائيل عاملاً رئيسيًا في توتر العلاقات مع الدول العربية. أما التدخلات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان، ودورها في بعض الثورات العربية، فقد جعلت بعض الدول تشعر بعدم الثقة.
إقرأ أيضاً: لبنان والعودة إلى محيطه العربي
البعض يُبرر تصريحات ترامب بأنها مجرد فقاعات سرعان ما تختفي وليس لها تأثير واقعي في سياسة الإدارة الأميركية، التي لا تعتمد على تصريحات مرتجلة وإنما لديها خطط مدروسة ومعدة مسبقًا لأي توجه تقوم به أميركا مع حلفائها. ويرى البعض أنها لا تزال شريكًا استراتيجيًا ضروريًا، وإن بدرت منها بعض الاستفزازات أو السلبيات أو التعنت في بعض القضايا الراهنة، بينما يرى آخرون أن تهديدات الرئيس دونالد ترامب الابتزازية تعكس مدى ما وصلت إليه العقلية الأميركية من استخفاف بالمجتمع العربي وبحقوقه المشروعة. ويرى هذا الفريق أنه آن الأوان لإيجاد تحالفات دولية أكثر موثوقية وأكثر فائدة في المستقبل.
تصريحات ترامب يجب أن تشكل منعطفًا في التحالف العربي الأميركي، ولا يمكن اعتبارها مجرد كلمات عابرة، بل تعكس سياسة أميركية متغيرة تجاه المنطقة العربية. هذه التصريحات قد تؤدي إلى تحولات استراتيجية في العلاقة بين العرب وأميركا، وإن لم تكن في الوقت الحالي، فلا شك أنها ستكون على المدى البعيد. نعم، تصريحات ترامب يجب أن تكون نقطة تحول في التحالف العربي-الأميركي، لكنها ليست العامل الوحيد. الاتجاه نحو تنويع التحالفات وتقوية الاستقلال العسكري والاقتصادي أصبح خيارًا استراتيجيًا. ومن المؤكد أن مستقبل العلاقة لن يكون كما كان في العقود الماضية، وستشهد المرحلة القادمة مزيدًا من التوازن في العلاقات الدولية العربية بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على واشنطن.