: آخر تحديث

وتموت الديمقراطية في وضح النهار

3
3
3

قبل أكثر من عام، اقتبسنا هنا في إحدى مقالاتنا شعارًا تبنته صحيفة "واشنطن بوست" بتاريخ 22 شباط (فبراير) 2017: "تموت الديمقراطية في الظلام". ففي الأيام القليلة الماضية، تجلى لنا أنَّ الديمقراطية تموت أيضًا في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع العالم.

لعل "الحلبة" الأوكرانية في الصراعات الروسية ــ "الغربية" هي التي أثبتت هذا الجانب المهم من التحولات في وأد الديمقراطية المحتمل، وهذا بالأخص ضمن إطار صعود رجل يُدعى دونالد ترامب لم يُخفِ أبدًا اشمئزازه تجاه قيم الديمقراطية وأوروبا الغربية بشكل عام، ولم يُخفِ أبدًا إعجابه بالدكتاتوريات، وعلى وجه الخصوص روسيا البوتينية.

إن هذا الأمر لم يكن مفاجئًا للذين يتابعون ترامب وأهدافه في الحكم وعقليته ومآربه أصلًا عن كثب.

خطاب نائبه، جي دي فانس، في مؤتمر ميونيخ للأمن كشف النقاب بشكل لا يقبل الشك عن تغيير القيم في واشنطن. فما قاله الرجل في ميونيخ عن وضع الديمقراطية في أوروبا الغربية غريب جدًا، إذ ادعى حدوث "انحراف" في القارة عن القيم الغربية "الحقيقية". فما يريده يكمن في أن يصبح الترويج للأكاذيب والدعاية وزرع الفتن وتحريض الجماهير ضد فئات معينة من سكان البلاد ركنًا من أركان حرية الرأي، وليس العكس، أي أن يؤدي ذلك إلى المثول أمام المحاكم. وأقوال فانس تلك لم تكن زلة لسان أو استفزازًا مثيرًا، بل الأركان الرئيسية لسياسة رئيسه خلال السنوات الأربع المقبلة. إذ بعد أقل من أسبوع على تصريحه في ميونيخ، فاقم فانس أكثر في أكاذيبه في مؤتمر العمل السياسي المحافظ في واشنطن، قائلًا إن كتابة تغريدة ناقدة ضد الحكومة تعرض المرء للسجن. وهذا لم يحدث أبدًا في ألمانيا التي أشار إليها، ولكن كثيرًا ما حدث في روسيا، صديق ترامب وأميركا "الحالي". إنَّ مبالغات فانس هذه تندرج، كما يبدو، ضمن التمهيدات التي تجريها الإدارة الترامبية لتبرير الانسحاب العسكري الأميركي "المنتظر" من أوروبا.

إقرأ أيضاً: قبل أن يتولى ترامب ولايته الثانية

وضمن هذا السياق، علينا أن نذكر أن ادعاء الرئيس الأميركي بأنَّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "دكتاتور وغير شرعي" كذبة وقحة تنضم إلى الآلاف من أكاذيب ترامب. فالمحكمة الدستورية الأوكرانية قضت بعدم إمكانية إجراء الانتخابات أثناء حالة الحرب، لذا فبقاء زيلينسكي رئيسًا للبلاد قانوني تمامًا وبلا أدنى شك.

ترامب، من جانبه، لم يمدح المعتدي الروسي فحسب، بل يلوم الضحية الفعلية والمعتدى عليه. ويزعم بكل سفاهة أن الروس أرادوا "وضع حد للهمجية المتوحشة"، وأنَّ الأوكرانيين "لم يكن ينبغي لهم أبدًا أن يبدأوا الحرب". وكأن أوكرانيا هي التي بدأت بالحرب والاعتداء العدواني. لا أعتقد أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن ثمة تشابهاً في الأحداث: من ينسى أكبر كذبة لأقبح دكتاتور عرفته الإنسانية، أدولف هتلر، الذي هاجم بولندا عام 1939 متهمًا البلد المنكوب بأنه هو الذي بدأ الهجوم؟ ومن ينسى أيضًا، بالمقابل، كلام مستشار الأمن القومي الحالي لدونالد ترامب، مايكل والتز، في وقت مبكر من آذار (مارس) 2022، والذي كان عضوًا في الكونغرس آنذاك، عندما أطلق على زيلينسكي لقب "تشرشل القرن الحادي والعشرين"؟

إقرأ أيضاً: توتر السيد ترامب أمام السيدة هاريس

وعلينا ألا ننسى أنَّ شعار "أميركا أولًا" لم يؤلفه ترامب بنفسه، بل ألفه وتبناه لأول مرة الموالون للحركة النازية الألمانية من المتطرفين اليمينيين في أميركا في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، أي أصحاب الفكرة الأيديولوجية التي أحرقت أصقاعًا كبيرة من أوروبا.

إنَّ المغازلة المفتوحة لأميركا اليوم تجاه اليمين المتطرف في أوروبا لا تفسح مجالًا للشك في مدى جدية التحول العميق في الاستراتيجية وبزوغ حقبة جديدة وخطرة، وحتى إذا ما نظرنا إلى أميركا نفسها الآن، حيث تقبل الأميركيون صعود ترامب إلى السلطة بإحساس يمكن أن نطلق عليه غريبًا ومفعمًا بالشلل، إذ لا توجد حاليًا مقاومة شعبية تُذكر. وكأن البلاد قد استسلمت لترامب ومطالبه المفرطة بالسلطة بشكل شبه كامل.

والآن، مما أصبح واقعًا لا يمكن التغاضي عنه، هو أنَّ الرئيس الأميركي ترامب في طريقه إلى دفن فكرة تاريخية مهمة، إن لم نقل "عظيمة"، ألا وهي فكرة "الديمقراطية الليبرالية الغربية". من المرجح أن ترامب لا يفهم أو يرفض أن يفهم أن الغرب ضمن هذا السياق ليس مفهومًا جغرافيًا صرفًا بحد ذاته، بل هو أكثر بكثير من ذلك ومثال رائع ومصقول في موضوع النظام السياسي بشكل عام يجب الدفاع عنه – الآن بالتحديد في أوكرانيا (وربما في أماكن أخرى أيضًا). والمشكلة التي تواجهها هذه الفكرة الآن أن أميركا (كانت) هي حاميها الأساسي بعد أن صعدت الولايات المتحدة الأميركية إلى أكبر قوة بعد الحرب العالمية الثانية، فبدونها "ربما" ينهار، أو يتعرض إلى ضربة موجعة جدًا. وبهذا تتحقق أحلام الكثير من الدكتاتوريين والأوتوقراطيين في العالم، وهم كثيرون جدًا.

إقرأ أيضاً: حظوظ وعواقب فوز ترامب في الانتخابات القادمة‎

فترامب، منذ تاريخ اقتحام الكابيتول في يوم 6 كانون الثاني (يناير) 2020، أثبت بأنه قد جاء إلى سُلم السلطة ليقضي على الديمقراطية، لا ليدافع عنها أو يروج لها. وهذه المرة برقم قياسي قل نظيره. فالرئيس الأميركي الحالي، كما هو معروف، ليس فقط مجرمًا مدانًا قضائيًا، بل يخطو بسرعة هائلة لتدمير الكثير في أميركا (وأيضًا في العالم). إذ وقع ترامب في البيت الأبيض، وهذا فقط في أول يوم لدى تسلمه المنصب الرئاسي، 26 أمرًا تنفيذيًا. وهذا كان رقمًا قياسيًا بمعنى الكلمة، إذا ما تذكرنا أنه وقع في ولايته الأولى خلال 100 يوم الأولى 33 أمرًا فقط. فما نراه في أسلوب حكمه يذكرنا بالمجالس الثورية في بلدان العالم الثالث وكأنها أحكام عرفية.

أمَّا بشأن الدول التي تؤمن اليوم ببساطة بـ"صداقة" ترامب، فعليها أن تتذكر الآتي: إذا ما تعرضت، لسوء حظها، إلى عدوان من شاكلة العدوان الروسي على أوكرانيا، عندئذٍ سيسارع ترامب، وهذا أغلب الظن، إلى توجيه الجملة التالية إليهم: "نريد منكم المعادن النادرة والنفط وأي شيء يمكننا الحصول عليه". هذا ما قاله ترامب لأوكرانيا المنكوبة في مؤتمر واشنطن هذا السبت. والسؤال الآن: لماذا يقول لهم شيئًا آخر؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف