إذا كان التاريخ يكتب صفحاته بمداد الأحداث العظام، فإنَّ الزمن الذي نعيشه اليوم يشهد على لحظةٍ فارقة، لا يخطّها السيف، ولا ترسمها المدافع، ولكن تصنعها الحكمة، وتبنيها الحنكة السياسية، ويعمرها بعد النظر.
فما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن مجرد كلمات عابرة، ولا مجاملةً دبلوماسيةً تقتضيها الأعراف الدولية، وإنما كان اعترافًا صريحًا بحقيقة تفرضها الأحداث، وتؤكدها الوقائع: المملكة العربية السعودية، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ليست مجرد طرفٍ في المشهد الدولي، وإنما حجر الزاوية في استقرار العالم، وصمام الأمان أمام الانزلاق نحو هاوية الفوضى والصراع.
حين يتحدث زعيمٌ عالميٌّ بحجم ترامب عن رجلٍ سيقف التاريخ أمامه طويلًا، فهو لا يلقي بالثناء جزافًا، ولا يوزع الألقاب كيفما اتفق، وإنما ينطق بما يراه العالم، وما يفرضه الواقع: أن المملكة اليوم قوة اقتصادية، ودولة ذات نفوذ إقليمي، وهي الرقم الصعب في المعادلة الدولية، واللاعب الذي لا يمكن تجاوز دوره في حفظ التوازنات، وصياغة التفاهمات، وقيادة الدبلوماسية إلى حيث ينبغي أن تكون.
ولم يكن هذا الدور وليد اللحظة، ولا نتاج المصادفة، ولكنه امتدادٌ لتاريخٍ من الحكمة السياسية، التي تجمع بين الصرامة حين يجب أن تكون، والمرونة حين تقتضيها المصالح، والقدرة على بناء الجسور حين تصبح الحروب خيارًا متهورًا لا يخدم أحدًا.
لقد بات واضحًا أن العالم يقف على مفترق طرق، حيث يخيّم شبح حربٍ عالميةٍ ثالثة على المشهد الدولي، وتتداخل المصالح والنزاعات في صراعٍ مفتوحٍ على كل الاحتمالات. لكن وسط هذه العواصف، تُطلُّ المملكة من قلب الصراع لتخمد نيرانه، وتسحب فتيله، وتقود الجميع إلى مائدة الحوار، بدلًا من ساحات المعارك وطواحين الحروب.
وليست هذه أول مرة تضطلع فيها الرياض بدور المصلح الدولي، فقد سبق لها أن أعادت ترتيب الملفات المعقدة في المنطقة، ونجحت في بناء التوافقات، وتقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة، حتى باتت اليوم الوجهة الأولى لكل من يبحث عن السلام، والمكان الذي يُعاد فيه رسم المشهد العالمي بيدٍ ثابتة، لا ترتجف أمام الضغوط، ولا تتردد في اتخاذ القرار الصحيح حين يكون القرار هو الفاصل بين الحرب والسلام.
أما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ذلك الاسم الذي سيقف التاريخ أمامه طويلًا، فهو زعيمٍ في سجل السياسة، وقائدٌ أتى في زمنٍ صعب، ليعيد تشكيل الواقع، ويرسم مستقبلًا لا يكون فيه الشرق تابعًا، ولا يكون فيه القرار العربي إلا من رحم القوة والقدرة على التأثير.
لقد استطاع أن يحوّل السعودية من دولةٍ تتأثر بما حولها، إلى دولةٍ تصنع الأحداث، وتُعيد توجيه المسارات، وتقود الدبلوماسية العالمية إلى حيث تكون المصالح بعيدةً عن العواطف، وقريبةً من الواقع.
إن ما قاله الرئيس ترامب شهادة وإعلانٌ سياسيٌ يعكس ما أصبح حقيقةً لا يمكن إنكارها: أن السعودية اليوم هي الدولة التي يعوِّل عليها العالم في ضبط ميزان القوى، ومنع الانزلاق إلى المجهول.
وإذا كان التاريخ يسجّل العظماء، فإنه يعرف جيدًا كيف يميّز بين من يصنع الأحداث، ومن يتأثر بها، وبين من يقود، ومن يُقاد، وبين من يكون في مقدمة الصفوف، ومن يكون تابعًا لما تقرره العقول العظيمة.
وفي هذا الزمن الصعب، هناك قائدٌ واحدٌ أثبت للعالم أن الرؤية تصنع القوة، وأن الحكمة تصنع التاريخ، وأن السعودية لم تعد مجرد جزءٍ من المعادلة، وإنما هي التي تضع قوانينها، وتحدد مساراتها، وتقودها حيث يجب أن تكون.