في العقود الأخيرة، وبسبب تعقيدات الوضع الداخلي اللبناني وتعطيل العمل باتفاق الطائف والفراغ الذي شهدته الساحة اللبنانية والسماح بالتدخلات الخارجية أصبح لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتحديداً بعد صعود حزب الله وهيمنته على القرار اللبناني، تغيرت علاقات لبنان مع الدول العربية، خاصة الخليجية، وبدأ يُنظر إليه كدولة تحت النفوذ الإيراني ومعادية لمصالح الدول العربية، حيث لعب دوراً أساسياً في توتير علاقات لبنان مع الأشقاء العرب، بسبب سياساته وتحركاته العسكرية التي تجاوزت الداخل اللبناني.
منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، بدأ حزب الله يُحكم قبضته على الدولة اللبنانية، مستخدماً سلاحه الذي سُمح له بالإبقاء عليه في اتفاق الطائف بعد أن تم نزع سلاح جميع الميليشيات الوطنية وغير الوطنية بصفته "قوة مقاومة" بدلاً من اعتباره ميليشيا لمحاربة إسرائيل في الجنوب، وهو امتياز حصل عليه والذي أصبح فيما بعد خنجراً في خاصرة لبنان والدول العربية الشقيقة، ثم أصبح الحزب أداة بيد إيران، التي تستخدمه لتنفيذ سياساتها الإقليمية، مثل التدخل في سوريا والعراق واليمن ودول الخليج العربية، مما جعل لبنان في مواجهة مع الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي تحديداً، خاصة السعودية والإمارات والبحرين، كما ثبت تورط الحزب في دعم الحوثيين بالسلاح والتدريب وكان له دور في تهريب الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي استُخدمت ضد السعودية والإمارات في اليمن، مما أدى إلى قطيعة بين لبنان ودول الخليج.
قام الحزب بدعم النظام السوري عسكرياً منذ 2011، وشارك في معارك ميدانية وتلطخت يداه بدماء الشعب السوري، كذلك دعمه لبعض الفصائل المسلحة والمليشيات الخارجة عن نظام الدولة في بعض الدول العربية، مما زاد التوتر بينه وبين الحكومات العربية وزاد من القطيعة مع لبنان، ناهيك عن الهجمات الإعلامية والتحريض السياسي من خلال القنوات الإعلامية التابعة للحزب، مثل قناة المنار، التي دأبت على مهاجمة الحكومات الخليجية واتهامها بتنفيذ أجندات أميركية وإسرائيلية، أضف إلى كل ما سبق تصريحات قادة الحزب، خصوصاً حسن نصرالله، التي كانت تحمل نبرة عدائية واستفزازية وفيها تأكيد على تبعية الحزب وولاءه المطلق للنظام الإيراني.
ولم يقف الأمر على ذلك فقط بل سخر حزب الله كل قواه واستغلال لبنان كمركز عمليات لزراعة وتهريب المخدرات مباشرة من لبنان أو عبر الأراضي السورية إلى الدول العربية وتحديداً دول الخليج العربية وأضرار المخدرات تكاد تُصنف بأنها حرب تُبيد فئة الشباب مما أدى إلى فرض قيود على الصادرات اللبنانية ومنع دخول المنتجات الزراعية للبنان في بعض الفترات، استغلال الموانئ والمنافذ اللبنانية لتمويل أنشطته من خلال تجارة غير مشروعة.
داخلياً استطاع حزب الله السيطرة على القرار اللبناني وإن أبدى اللبنانيون غير ذلك لكن واقعياً فرض حزب الله سلطته على كل مفاصل الدولة اللبنانية ما جعل لبنان يبدو وكأنه دولة تحت هيمنة طرف واحد يخدم أجندة إيران، وعلى مدى سنوات عرقل تشكيل الحكومات وإجراء الإصلاحات التي قد تساعد في تحسين علاقة لبنان بمحيطه العربي.
وعلى مستوى المقاومة المزعومة، جلب حزب الله للبنان ويلات كثيرة وأدخله في نزاع مسلح فلا هو حقق مبدأ المقاومة الفعلي ولا هو جنّب لبنان تبعات هذا التصعيد الذي خدم أجندة إيران أكثر مما خدم القضية الفلسطينية أو الشعب اللبناني، فكان الحزب يستغل سلاحه لإبقاء لبنان في حالة توتر دائم، مما منع الاستثمارات العربية وعزل لبنان اقتصادياً وسياسياً، بالمحصلة، حزب الله أقحم لبنان في صراعات إقليمية كان يمكن للبنان تجنبها، وهذا ما أدى إلى تدهور علاقاته مع الدول العربية الشقيقة، وما كان للحزب أن ينفذ أجنداته منفرداً بل اعتمد في الداخل اللبناني على تحالفات مع بعض القوى السياسية، خاصة التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، الذي ورث زعامة التيار عن الرئيس السابق ميشال عون، هذا التحالف منح الحزب غطاءً سياسياً لتنفيذ مشاريعه الإقليمية، بما في ذلك التدخل في شؤون الدول العربية مما جعله يعاني من عزلة عربية غير مسبوقة.
اليوم وبعد انتخاب رئيس جديد للبنان واختيار حكومة جديدة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وإذا ما تم تحجيم دور حزب الله واستعادة السيادة الوطنية اللبنانية، فإن لبنان لديه فرصة كبيرة للعودة إلى الحاضنة العربية، نظراً للروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية التي تربطه بالدول العربية. ولكن هذا يتطلب إصلاحات جوهرية على عدة مستويات لضمان إعادة بناء الثقة مع الدول العربية.
أهم الضمانات التي تمنح لبنان فرصة للعودة إلى محيطه العربي من جديد وتُسهم في إنعاش الاقتصاد وعودة الاستثمارات العربية والخليجية تحديداً: إنهاء الهيمنة الإيرانية على القرار اللبناني، تحجيم دور حزب الله سياسياً وعسكرياً، استعادة سيادة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية دون وجود سلاح خارج إطار الجيش اللبناني، التزام لبنان بسياسة النأي بالنفس والابتعاد عن الصراعات الإقليمية، تقديم ضمانات لجامعة الدول العربية بعدم استخدام لبنان كمنصة للهجوم الإعلامي أو العسكري ضد أي دولة عربية، محاربة شبكات تهريب المخدرات، خاصة الكبتاغون، تجنب تحالفات سياسية تمنح حزب الله أو أي ميليشيا أخرى نفوذاً داخل الدولة، تفعيل القضاء اللبناني لضمان عدم الإفلات من العقاب فيما يخص قضايا الإرهاب والفساد، تشكيل جيش قوي قادر على حماية الحدود ومنع التدخلات الخارجية، تعزيز الاستقرار الداخلي عبر تفاهم وطني بين جميع الطوائف اللبنانية، بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية.