: آخر تحديث
يثير المشروع امتعاض المدافعين عن البيئة

أحلام قناة إسطنبول تصطدم بروسيا ومعارضي إردوغان

54
17
17

اسطنبول: يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى إعادة رسم الجغرافيا إذ لا يبدو بأنه اكتفى بصياغة تاريخ بلاده وذلك عبر بناء قناة بديلة للبوسفور، ما من شأنه أن يثير انتقادات في الداخل وقلقا في روسيا.

ويتّهم مناهضو إردوغان الخطوة باللهاث وراء مشروع لإرضاء غروره من شأنه أن يطلق العنان لأعمال بناء واسعة في اسطنبول ويغرق الحكومة في ديون هي في غنى عنها.

ويثير المشروع امتعاض المدافعين عن البيئة، إضافة إلى الكرملين، الذي يخشى من أن تمنح "قناة اسطنبول" تركيا المنضوية في حلف شمال الأطلسي مزيدا من الهيمنة على حركة الملاحة بين البحرين الأسود والمتوسط.

وخاطر مجموعة من الأدميرالات الأتراك المتقاعدين بإثارة حفيظة إردوغان عبر التحذير من أنه سيكون على قناته الجديدة أن تخضع لبنود معاهدة قديمة تنظّم استخدام المضائق الاستراتيجية.

لكن الرئيس التركي المتقلّب، الذي بنى على مدى سنوات حكمه الـ18 جسورا فوق البوسفور وشيّد مطارا شاسعا على أرض نائية مطلة على البحر الأسود، يقول إن قناته "ستبث روحا جديدة في المنطقة".

وصرّح في وقت سابق هذا الشهر "سواء أعجبكم ذلك أم لا، سنبدأ وسنبنيها".

ويشير أنتوني سكينر من شركة "فيريسك ميبلكروفت" البريطانية للاستشارات المتعلّقة بتقييم المخاطر إن القناة "تتوّج" ما يصفها إردوغان بأنها مشاريعه "المجنونة".

وقال سكينر "سيمثّل إتمام المشروع تتويجا لانتقال إردوغان من الظل إلى النور".

وأضاف "يسجّل ذاك الفتى المتحدّر من الأحياء المهمّشة في اسطنبول نجاحا غير مسبوق كسياسي إذ أصبح رئيس بلدية اسطنبول ورئيسا للوزراء ومن ثم رئيسا يحظى بكامل السلطات التنفيذية: رئيس غيّر شكل قلب تركيا النابض -- اسطنبول".

ولا تتحقق أحلام إردوغان بثمن زهيد.

إذ قدّرت دراسة العام 2019 بشأن التداعيات البيئية كلفة الممر المائي بـ75 مليار ليرة (ما يعادل 13 مليار دولار حينها).

وستمر عبر البر باتّجاه غرب اسطنبول، وهي منطقة كان يُنظر إليها في الماضي كمنطقة قابلة لإجلاء السكان إليها حال وقوع زلزال قوي في المدينة الكبيرة التي تعد 15,5 مليون نسمة وتقع في منطقة نشاط زلزالي.

ولا يزال مصدر تمويل المشروع المقرر أن يبدأ في حزيران/يونيو غير واضح.

تعقّد اعتبارات جيوسياسية وبيئية الخطط لمشروع يمكن للمستثمرين الأثرياء (من الصين على الأرجح) الحصول من خلاله على حقوق ملكية مؤقتة.

ومن بين أبرز معارضي المشروع رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو، المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري والذي فاز بالمنصب بعد انتخابات مثيرة للجدل عام 2019.

وقال في تصريحات لوسائل إعلام أجنبية إنه تم منح الأملاك المحيطة بالقناة المرتقبة إلى حلفاء إردوغان السياسيين في قطاعي البناء والعقارات لتترك بلديته خارج العملية برمتها.

وصرّح "لأتحدّث بصراحة: دافع إردوغان الرئيسي هو المال ثم المال ثم المال".

وتعتبر روسيا من بين أشد الجهات الخارجية انتقادا للمشروع، حيث تخشى أن يشكّل طريقا جديدا لسفن حلف الأطلسي الحربية لدخول البحر الأسود بينما ضمت موسكو شبه جزيرة القرم الأوكرانية المطلة على البحر في عام 2014.

ويضغط الروس والأدميرالات الأتراك المتقاعدون على إردوغان لوضع القناة الجديدة تحت بنود اتفاقية مونترو لعام 1936 التي تفرض شروطا صارمة على المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل.

واتهم إردوغان قادة البحرية المتقاعدين بالتخطيط إلى انقلاب، من دون أن يعطي أي مؤشر على نيته وضع القناة في إطار المعاهدة.

وقال إردوغان في وقت سابق هذا الشهر "قناة اسطنبول، التي لا علاقة لها باتفاقية مونترو، ستجلب لتركيا مزيدا من الراحة والسلام".

وذكر المتخصص في شؤون تركيا في شركة الأبحاث "غلوبال سورس بارتنرز" في نيويورك أتيلا يسيلادا أن أردوغان قد يرى القناة الجديدة كوسيلة للتفاوض على علاقات أفضل مع واشنطن.

وقال يسيلادا لفرانس برس "من الممكن أن يفكر اردوغان في مقايضة حرية مرور سفن حلف الأطلسي إلى البحر الاسود مقابل (تخفيف) العقوبات" التي فرضتها واشنطن على تركيا لشرائها أسلحة روسية.

وقد يؤدي عدم إدراج القناة الجديدة ضمن المعاهدة أيضا إلى السماح لتركيا بفرض رسوم على السفن التجارية مقابل مرور أسرع مما هو عليه الحال عبر مضيق البوسفور الذي يستغرق العبور المجاني خلاله عادة أسابيع.

وقال يسيلادا "من المؤكد أن مضيق البوسفور ضيق للغاية ووقوع حادث أمر لا مفر منه بسبب حركة الملاحة البحرية الكثيفة".

وأردف "إذا كان بإمكان أردوغان استثناء قناة إسطنبول من مونترو، فيمكن لتركيا استخدام أساليب المماطلة مثل عمليات التفتيش المطولة (في مضيق البوسفور) لتوجيه السفن إلى القناة" الجديدة.

لكن كلا من سكينر ويسيلادا أكدا أن استخدام المشروع الجديد كوسيلة ضغط أمر ينطوي على مخاطر خلق مشكلات جمّة مع روسيا.

وأكد الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين "شدد على أهمية" الحفاظ على اتفاقية مونترو في مكالمة مع إردوغان هذا الشهر.

وأوضح يسيلادا "في النهاية، لا أرى ما هو النفوذ الذي يمكن أن تكتسبه تركيا، ولكن ببساطة المزيد من المشكلات الإقليمية".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد