: آخر تحديث

المساءلة من سمات الحكم الديمقراطي الرشيد

11
9
8
مواضيع ذات صلة

يعرف الحكم الرشيد بأنه نظام الحكم القائم على خدمة مصالح الأمة، والذي يعتبر السلطة والقيادة وظيفة في الخدمة العامة، ويتخذ منها منصة لإثبات الكفاءة والقدرة على تحقيق متطلبات الشعوب وحاجاتها، وسياستها بالعدل والمساواة، وان يتصف بالقدرة على دمج المجتمع المتعدد الأعراق والقوميات، والمشاركة في السلطة والحكم، وان يتمتع بشرعية شعبية اساسها الانتخاب الشعبي العام والنزيه.

يمكن القول ان هناك سمات رئيسية للحكم الديمقراطي الرشيد في العالم المعاصر، تتمثل في قيام مؤسسات مجتمعية قوية يتحقق التوازن بينها من خلال شبكة مترابطة من علاقات الضبط والمساءلة، حيث تضمن شفافية الحكم فعالية الضبط، الأمر الذي ييسر المساءلة بما يضمن الحفاظ على المصلحة العامة. لذا تعد المساءلة واحداً من المعايير المهمة لضبط الأداء الحكومي والحد من الانحرافات والخروقات في عمل الحكومة التي قد تحيد عن مسارها الصحيح إذا ما غيب مبدأ المساءلة.

والمساءلة تعني: واجب المسؤولين عن الوظائف الرسمية سواء اكانوا منتخبين ام معينين، وزراء ام موظفين وغيرهم، في ان يقدموا تقارير دورية عن عملهم وسياساتهم ونجاحاتهم في تنفيذها. كذلك يعنى المبدأ حق المواطنين في الحصول على التقارير والمعلومات اللازمة عن عمل كل من يعمل في إدارة الحياة العامة (نواب ووزراء، وموظفون حكوميون، وأصحاب مناصب رسمية)، كي يتأكد من ان عمل هؤلاء يتفق مع القيم ومع تعريف وظائفهم ومهامهم بموجب القانون. وللمساءلة أساليب وإجراءات منظمة عبر قنوات لا ينبغي للفرد بصفته الشخصية القيام بأعبائها من دون تكليف قانوني.

لقد عنى كثير من الدراسات بآليات المساءلة لإرساء قواعد الحكم الرشيد وبناء المجتمع الصالح، وقد توصل الباحثون الى آليات أربع للمساءلة:

المساءلة التنفيذية: تعني مسؤولية الجهاز الحكومي التنفيذي عن محاسبة نفسه بنفسه عبر سبل إدارية، ووسائل تضبط العملالإداري وتضمن سلامة الجهاز التنفيذي.

المساءلة التشريعية: تعد المساءلة ضمن السلطة التشريعية واحدة من أعرق آليات المساءلة في النظم الديمقراطية، حينما يلعب البرلمان المنتخب دورا مهما في تقييد الحكومة والرقابة عليها، ومعارضتهافي أحيان كثيرة لضمان استقامة سير العمل الحكومي.

المساءلة القضائية: تشكل المساءلة القضائية ركنا أساسيا من اركان ضبط عمل الجهاز الحكومي وغير الحكومي الذي تنهض به السلطة القضائية القائم عملها على أساس تطبيق القوانين النافذة من قبل القضاة في المنازعات والدعاوى المعروضة عليها، وباستقلالية تامة عن تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في اعمالها.

المساءلة عبر السلطة الرابعة: المقصود هنا سلطة الرأي العام مهما اختلفت اشكال التعبير عنها، لإن الرأي العام يمثل الشعب الذي هو مصدر السلطات، والمعني الأول بالرقابة العامة على مؤسسات الدولة وحسن سير عملها، وتعقب الانحرافات فيها أينما كانت، ومحاسبة الأطراف المعنية بذلك عبر الوسائل المتوافرة التي من أهمها منظمات المجتمع المدني، ووسائل الاعلام والصحافة التي يطلق عليها السلطة الرابعة.

لقد اوجد العديد من الدول التي أعلنت التزامها بتطبيق آليات الحكم الديمقراطي سبلا مختلفة لتعزيز مشاركة المواطن بشكل أوسع في آليات المساءلة لتعزيز مصداقيتها وشفافية أدائها. ومن أسف ان الكثير من المسؤولين في العالم العربي تضيق صدورهم بالمساءلة والمحاسبة والنقد البناء، والكثير منهم يعتبرون أنفسهم فوق القانون، وانهم منزهون عن الخطأ، ولا يجوز مساءلتهم او محاسبتهم تحت أي ظرف من الظروف، وكم من الجرائم والانحرافات التي ارتكبها هؤلاء الحمقى المتعالون على القانون بحق اوطانهم وشعوبهم.

العقل والمنطق والأعراف تؤكد حقيقة ان الشخص الذي يقبل بوظيفة عامة لها ارتباطات بمصالح الناس، لا بد ان يهيئ نفسه للمساءلة والمحاسبة، ومن لا يرتضي ذلك فعليه ترك الوظيفة العامة والتوجه لأعماله الخاصة. يقول الإمام "علي" عليه السلام: "من نصب للناس نفسه إماما (أي حاكما او مسؤولا) فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فمعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم".         


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي