: آخر تحديث

قراءة في كتاب (دولة الإرهاب – كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب)

10
9
7
مواضيع ذات صلة

في كتابه القيم، يعمل المؤلف "توماس سواريز" – الكاتب والموسيقي الأمريكي - على توضيح فكرة مهمة، وهي تلك التي تربط ما بين إقامة إسرائيل من جهة والأساطير الدينية التي وردت في كتب اليهود المقدسة من جهة أخرى. بموجب تلك المزاعم الميثولوجية، روج قادة الحركة اليهودية الصهيونية قضيتهم بين دول وشعوب أوروبا وأميركا، على كونها قضية عادلة، بل ومقدسة، بحيث صار المضي قدما في العمل عليها، بمثابة تحقيق لوعد إلهي لا بد من تنفيذه.

ويعدد "سواريز" التجليات والشواهد التي تؤكد على ذلك الطرح، ومن ذلك عندما أصر زعماء الصهيونية الأوروبية على أنهم لم يكونوا مستوطنين بل (عائدين) إلى فلسطين لإعادة تشكيل "إسرائيل التوراتية". وما قاله "بن غوريون" في الكثير من المقابلات "إن الكتاب المقدس هو ما يعطينا الحق في الاستيلاء على فلسطين".

بعد ذلك يعمل "المؤلف" على توضيح الخطوات التي قام بها زعماء اليهود لإقناع بريطانيا بإقامة دولة لهم في فلسطين. أولى تلك الخطوات تتمثل في المحاولة التي قام بها "تيودور هرتزل" لشراء فلسطين من العثمانيين لقاء سداد ديونهم الخارجية، وهي المحاولة التي باءت بالفشل نظرا للرفض المتكرر من جانب السلطان "عبد الحميد الثاني"، أخر سلاطين العثمانيين الأقوياء.

بعد ذلك انتقل "هرتزل" إلى بريطانيا واقترح على وزير المستعمرات "جوزف شيمبرلن" إنشاء مستوطنة صهيونية في قبرص، ولكن "شيمبرلن" اقترح أن يجرى ذلك في مكان آخر، ففكر "هرتزل" في الأرجنتين وأوغندا تمهيدا لمشروعه، لكن أي أرض أخرى غير فلسطين "لم تكن سوى ما دعاه بالاستعمار الثانوي الذي لن يجتذب سوى بضعة آلاف ولن يخدم أي هدف سياسي".

وفي الثاني من شهر نوفمبر 1917م، وقعت الخطوة الأكثر أهمية في تاريخ الحركة الصهيونية، عندما وقع "آرثر جيمس بلفور"بصفته وزيرا للخارجية البريطانية، الوعد الذي يعرف باسمه، والذي يتكون من 67 كلمة يخاطب فيها البارون "روتشيلد"، وهو الوعد الذي سرعان ما أعلن أنه الأساس القانوني لتحويل فلسطين إلى دولة استيطان صهيونية.

ويؤكد "المؤلف" أن الجانب البريطاني قد صاغ الوعد بالاستعانة ببعض زعماء الصهيونية، ولاسيما اللورد "روتشيلد" و"حاييم وايزمان"، وأن هؤلاء القادة قد حاولوا كثيرا أن يغيروا بعض العبارات والجمل المذكورة في الوعد، خدمةً لمساعيهم الاستعمارية المستقبلية، وفي سبيل تحقيق الربط بين الواقع والتاريخ اليهودي المقدس. ومن ذلك أنهم قد رفضوا استخدام كلمة establishment)إقامة/تأسيس) في عبارة "إقامة وطن قومي للشعب اليهودي"، وأرادوا أن يضعوا محلها كلمة re-establishment) أي إعادة الإقامة أو التأسيس)، وهو ما يصب في مصلحة التأكيد على الحق التاريخي لليهود في فلسطين.

وبداية من منتصف شهر إبريل 1918م، بدأت الجماعات اليهودية الصهيونية في فلسطين، تتخذ من العنف وسيلة، لفرض سياسة الأمر الواقع على كل من الإنجليز والفلسطينيين، حيث أخذ المسؤولون البريطانيون في القدس يحذرون من أن الجنود اليهود يختلقون حوادث يقصد منها استثارة العرب المسلمين، وقد اتخذت هذه الأحداث شكلا متكررا اضطر البريطانيون بسببها إلى منع هؤلاء الجنود اليهود من دخول المدينة القديمة في أيام العطل الدينية، فما كان من البعثة الصهيونية إلا اشتكت من الاضطهاد.

ومع ازدياد المزايا التي تمتع بها اليهود ازدادت حدة المقاومة الفلسطينية، ووصلت في أواخر عقد العشرينيات إلى حد العنف ووصل ذلك العنف إلى أشده في حادثة سنة 1929 التي راح ضحيتها 67 يهوديا في مدينة الخليل، والتي كانت شرارتها قد اندلعت بسبب إشاعة كاذبة.

في تلك الفترة تحديدا، كان الصهاينة يعملون بكل قوة، لتسفير أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين، وذلك حتى يتحقق توازن عددي ما بين اليهود والفلسطينيين، وكانت أهم خطوة في سبيل ذلك، تلك التي وقعت في عام 1933م في "اتفاقية هافارا"، عندما اتفق الصهاينة مع الألمان على السماح لليهود بالسفر من ألمانيا إلى فلسطين، في مقابل أن يستخدم اليهود البضائع الألمانية وينقذون الاقتصاد الألماني من حالة الركود والكساد التي كان يمر بها في تلك الفترة.

وفي عام 1937م، وقعت خطوة مهمة في مسار الأحداث، عندما قامت "لجنة ييل"، بإصدار تقرير يوافق على ادعاء الصهاينة بأن اليهود ينتسبون إلى قومية قديمة بالدم وأن لهم حقوقا تمنحها لهم التوراة، حيث اقترحت البعثة تقسيم فلسطين تقسيما يعطي المستوطنين مساحات شاسعة من الأراضي. ويذكر "المؤلف"، أنه ورغم أن المؤسسة الصهيونية قد رحبت بالوعد الضمني الذي جاءت به اللجنة بإنشاء دولة ينفصل فيها العرقان، فإنها رفضت الخطة لأنها لم تعطهم فلسطين كلها.

في نهاية العام 1938م، أتم البريطانيون وظيفتين من اهم وظائفهم في خدمة الصهيونية، الأولى: انهم رسخوا حركة الاستيطان، وحصلوا له على اعتراف دولي وما يشبه الاستقلال الذاتي. والثانية: قمعوا الثورة الفلسطينية ضد تهجيرهم من أراضيهم. يستمر "المؤلف" بعد ذلك في شرح الآثار الكارثية التي نجمت عن نكبة عام 1948م، حيث يذكر أن بعد هذا العام تحديدا، تم ابعاد ما يقرب من مليون فلسطيني عن بلده بسبب انتمائه العرقي، وأكثر من أربعمائة قرية محيت من الوجود، وحطمت حياة من لم يشملهم الاقتلاع المباشر.

تكشف تقارير المخابرات البريطانية التي يعود تاريخها الى منتصف شهر ديسمبر من العام 1947م ان البريطانيين أنفسهماعترفوا، بعد وقت قصير من التصويت على التقسيم، بإنشاء دولة فلسطينية كان من قبيل الخداع. فقد حذر تقرير سري من "الاستيلاء غير القانوني على الأرض في فلسطين من قبل اليهود لإقامة مستوطنات جديدة" على أراض خصصت لفلسطين. وقال تقرير بريطاني آخر بصراحة ولم يمض اسبوعان على القرار 181، إن الدولة الفلسطينية الموعودة لن تظهر الى الوجود وإنه "لا يبدو ان دولة عربية فلسطينية سيكون لها كيان".

يقول "المؤلف" وبما ان كل تحد جديد مارسته إسرائيل قوبل بطلبات أضعف فإن النتيجة هي انها كوفئت منذ ولادتها غير الشرعية على عدم امتثالها لما يطلب منها. ومع كل قرار جديد ضعيف نجد ان القرارات السابقة التي لم تنفذ قد نسيت، وهو ما يعني ان إسرائيل أعطيت الفرق بين القديم والجديد. وهكذا تعاد عقارب الساعة الى الوراء في مسألة عدم الامتثال الى ان يأتي القرار الجديد الأضعف الذي لا ينفذ. وتمثل الإنجاز الأكبر لدولة الاستيطان في حصولها على حصان طروادة المعروف بتفاهمات أوسلو، وهي تفاهمات منحت الموافقة الرسمية على كل ما فرضته إسرائيل بالقوة. 

وفي نهاية كتابه، يعود "المؤلف" مرة أخرى لتناول واحدة من أهم أحداث الإرهاب الوحشية التي مارسها الصهاينة ضد الفلسطينيين، فيذكر أنه في 22 أغسطس 1949م اختطف الجنود الإسرائيليون فتاة فلسطينية في العاشرة من عمرها، إلى معسكر جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث تم اغتصابها بشكل جماعي على مدى ثلاثة أيام، بحيث فقدت الوعي أحيانا، ثم تم التناوب على اغتصابها وعندما انتهوا منها حفروا قبرها على مرأى منها، قبل أن يطلقوا النار عليها.

لا يدفع الفلسطينيون وحدهم ثمن دولة الاستيطان، فثمة أجيال من شعوب بعض الدول العربية كتب عليها ان تعيش في ظل أنظمة مؤيدة لإسرائيل تفرضها عليهم أموال الولايات المتحدة وقوتها، وتشكل عقبة كأداء امام أي تطلعات شعبية نحو الديمقراطية. 

آخر الكلام: هذا الكتاب يستحق القراءة من قبل الشعوب العربية، والترويج له حول العالم، لتعرف شعوب العالم كيف قامت هذه الدولة على الإرهاب الذي لا زالت تمارسه بحق الشعب الفلسطيني الى يومنا هذا.

المصدر: كتاب "دولة الإرهاب – كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب" – عالم المعرفة – العدد 460 مايو 2018.  


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي