: آخر تحديث

سويسري يبحث في وضع الإسلام في القرن الثامن عشر

3
4
2
مواضيع ذات صلة

أكمل الأكاديمي السويسري د. بيار سبيغ بحثا مهما حول وضع الإسلام في القرن الثامن عشر من خلال فولتير الذي كان أكثر فلاسفة الأنوار اهتماما بشخصية الرسول محمد.  وفي المقدمة  كتب  يقول بإنه انطلاقا من القرن الحادي عشر، بدأت الحضارة العربية-الإسلامية في الانهيار والتفكك، وأخذت بوادر الفوضى التي ستعصف باستقرار العديد من أنظمة الحكم في المشرق والمغرب تبرز للعيان.  ويعود ذلك الى استعادة الأتراك والأوروبيين للعديد من مناطقهم التي كانت تحت الهيمنة العربية. وقد قام الاسبان بعد استرجاعهم للأندلس، وطرد العرب منها، بتعريف الأوروبيين بشروحات ابن رشد والفلاسفة المسلمين للفلسفة اليونانية متمثلة بالخصوص في فلسفة ارسطو من خلال ترجمتها إلى اللغة اللاتينية . وفي القرن الثاني عشر،  بدأ الأوروبيون يتفوقون معرفيا على العرب، ليصبحوا الورثة الحقيقيين للحضارة اليونانية.  وفي هذه القرن أيضا، أخذوا يتطلعون لمعرفة حقيقة الإسلام، والتعرف على شخصية الرسول محمد. وكان بيار "الجليل"، رئيس دير"ّكلوني " أول من اهتم بالقرآن. وكان هدفه الأساسي من ذلك نقد هذا الكتاب،  وإظهار عيوبه ونواقصه.  ولقراءته كلف اثنين من أتباعه بترجمته الى اللغة اللاتينية. وكانت النتيجة أنه تفاجأ بأن للقرآن علاقة بالمسيحية في البعض من الجوانب. مع ذلك، لم يعترف بالإسلام كدين جديد، واصفا الرسول محمد بأنه "بدعي"، وّهرطوقي".  ويستند رأيه هذا إلى أن القرآن  يقرّ بأن المسيح   نبي لكنه لا يقر بأنه إله، أو ابن  الله.

وفي القرن الرابع عشر نظرت روما إلى الرسول محمد باحترام معتبرة  إيّاه "مرشدا" يُعلّم العرب معاني الإسلام. أما في القرن الخامس عشر فقد اعتبر الباحثون والمهتمون بشأن الإسلام أن الرسول محمد "مغامر" من وسط اجتماعي مُتدنّ،  تمكن من إغواء سيدة من سيدات مكة ليصبح  ثريا،  وصاحب نفوذ قوي في الجزيرة العربية، وفي بلاد الشرق  بصفة عامة. وفي القرن السابع عشر لم تتغير نظرة الأوروبيين للاسلام، ولشخصية محمد، والتي كانت سائدة في القرون الوسطى.  وقد انعكس ذلك من خلال رواية بوديي التي وصف فيها الرسول محمد ب" الممالق" وب "المتآمر"، وب "الدساس"، و ب"الطموح". ولم يكن له هدف آخر غير استعمال الدين للحصول على الثروة والنفوذ.

وخلال القرن الثامن عشر، أظهر المفكرون  والكتاب والشعراء الأوروبيون اهتماما جديدا بالإسلام ، وبشخصية الرسول محمد،  وبالشرق بصفة عامة، وتعددت كتاباتهم وبحوثهم في هذا المجال، خصوصا بعد صدور المزيد من الترجمات للآثار العربية  المهمة  في الأدب والفلسفة. 

وقدم د. بيار سبيغ إضاءات عن الذين سبقوا فولتير في الاهتمام بشخصية النبي محمد. وكان هامفري بريدو أول هؤلاء.  وفي كتاباته ركز على أن الهدف الأساسي  للنبي محمد هو تأسيس ديانة تسمح له بالسيطرة المطلقة على الجزيرة العربية. في الآن نفسه رد من خلال ذلك على "الإلاهيين" الذين كانوا يهاجمون المسيحية والمسيح باعتبار أن الله فوق كل الديانات. لذا تتوجب طاعته هو وحده.  وقبل بريدو يمثلون العدو الخارجي الأكبر لأنهم  غزاة ومحتلون لأراضيهم بقوة السلاح. أما بعد انتهاء هيمنتهم، فقد أصبح العدو داخليا بالنسبة للمسيحيين. وهذا العدو هو الإلهي المشكك في المسيح، وفي المسيحية، والزنديق، والفاجر.  

وكان الفيلسوف الفرنسي فولتير من الالاهيين. وكان يرى أن الإسلام يعني في جوهره الرضوخ والاستسلام. لذلك هاجم في البداية، وبشدة،  النبي محمد  ونعته بأقبح النعوت. ويبرز ذلك في مسرحيته الشهيرة :"محمد والتزمت"، وفيها وصف الرسول محمد ب" الطاغية، وب "الماكر"، وب "التزمت" الذي أصبح بعد أن كان خادما، سيدا، ومشرعا، ورسول، وحاكما واسع النفوذ. وقد قام الألماني غوته بترجمة هذه  المسرحية الى لغته  الأم. وعندما التقى بنابليون  في "ارفرت"،  عبر  له هذا الأخير عن تبرمه من المسرحية المذكورة قائلا بأنها "مجرد صورة كاريكاتورية بائسة". وقد وافق غوته على رأي الإمبراطور قائلا :" أنا على رأيك يا صاحب الجلالة... قد قمت بالترجمة غصبا عني...لكني أعتقد أن الفقرات التي تتضمن هجوما عنيفا على التزمت  ليست موجهة للإسلام، بل  للكنيسة الكاثوليكية".

ولكن  في السنوات الأخيرة من حياته، تراجع  فولتير عن تهجماته القاسية والعنيفة ضد الاسلام، متخلصا من تأثيرات القرون الوسطى، ومعترفا بأنه كان قاسيا تجاه الرسول محمد تحديدا، وواصفا الإسلام بأنه "ديانة حكيمة، وصارمة، وإنسانية، وطاهرة".  أما النبي محمد فقد أصبح ينظر إليه ك"شخصية كبيرة  غيرت وجه التاريخ، ووجه جزء كبير من العالم، وزعزعت أركان الإمبراطورية  الرومانية".  أما الديانة المسيحية فقد اعتبرها" الديانة الأكثر تفاهة، ودموية، وسطحية  في العالم". وفي مسرحيته "زايير" التي كتبها سنة1732، وعرضها مسرح "الكوميديا الفرنسية" في السنة ذاتها، يظهر فولتير تعاطفا مع الإسلام والمسلمين، موجها انتقادات مبطنة للمسيحية التي يعتبرها ديانة قاسية، وعنيفة.  وتدور أحداث المسرحية في القدس خلال الحروب الصليبية. وبطلتها تدعى زايير، وهي فتاة من أصول مسيحية، لكنها تربت في وسط إسلامي.  لذا لم تتردد في التخلي عن ديانتها الأصلية لتصبح مسلمة خصوصا بعد أن عشقها ملك عربي.       


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي