: آخر تحديث

اليابان من وجهة نظر عربية: الضريبة وعدالة الثراء

4
5
4
مواضيع ذات صلة

 

كتب الأستاذ احمد عبد الحميد بصحيفة اخبار الخليج في شهر أكتوبر الماضي: "وافق مجلس الشورى (بعد موافقة المجلس النيابي) على مرسوم ضريبة القيمة المضافة، حيث أكدت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية أن اتفاقية القيمة المضافة تهدف إلى تعزيز الوضع الاقتصادي للمملكة وتحقق الوحدة الاقتصادية بين دول مجلس التعاون، كما شددت على أن الضريبة ستسهم في تنويع مصادر الدخل وخفض العجوزات في الميزانية العامة للدولة والحد من ارتفاع الدين العام وتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات. وردّا على تساؤلات أعضاء المجلس خلال الجلسة، قال معالي وزير المالية إن ضريبة القيمة المضافة للمدارس والصحة هي ضريبة صفرية، بمعنى أن المدخلات التي يتم شراؤها ويدفعون عنها ضريبة يتم ردها لهم. وبالنسبة إلى المؤسسات التي تحاول التهرب، أكد الوزير أنهم يقومون بعملية تواصل واسعة مع جميع الجهات المعنية بالضريبة بهدف التعريف بالقانون ونظام القيمة المضافة، لافتا إلى أنه تم التعامل مع هذا النظام من خلال السلع الانتقائية حيث تم تطبيقه بكل هدوء، ومن المتوقع أن يكون النظام الجديد أفضل بكثير، لافتا إلى أن الوزارة لديها 40 موظفا معنيا بهذه الضريبة، إلى جانب شركات الخبرة التي ستأتي إلينا كما سيتم الاستعانة بالإخوة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وخاصة أنه تم تطبيق النظام لديهما. أما بشأن التهرب من الضريبة فأشار سعادة وزير المالية إلى وجود مواد العقوبات في القانون وهي واضحة، كما أن النظام المطبق هو نظام الكتروني سيكشف محاولات التهرب سريعا، وسيتم التعامل معها مثل أي نظام ضريبي آخر في العالم."

​لقد اختارت مملكة البحرين النظام الرأسمالي ذي المسئولية الاجتماعية لمسيرتها الديمقراطية، بعد ان تم استقلالها من الحماية البريطانية في عام 1971، ولتنتهج النظام الديمقراطي من خلال دراسة وتفهم التجربة البريطانية، ليتم فصل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولتتم الانتخابات لانتخاب أعضاء المجلس الوطني، كما تم تشكيل حكومة عصرية ضمت خيرة قيادات المعارضة من القوميين والاشتراكيين والأمميين، وليعلبوا هؤلاء دورا مهما في خطط التنمية المستدامة، في التطور الصناعي، وتطوير فلسفة الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية، مع تطوير مخرجات التعليم، وعصرنة ديوان الخدمة المدنية. وفي عام 2001 استمرت هذه التجربة في التطوير، ولتتحول دولة البحرين إلى مملكة دستورية، وضع أسسها الميثاق الوطني، الذي وافق عليه 98.4% من شعب البحرين، ولتتم تشكيل البرلمان من مجلس نيابي منتخب ومجلس شورى معين من خيرة الخبرات المخلصة، ولتوضع رؤية 2030 لتطوير اقتصادي شامل وضمن النظرية الرأسمالية الحديثة ذات المسئولية المجتمعية من خلال شبكة حماية اجتماعية، للفيلسوف ورجل الاقتصاد المعاصر آدم سميث. 

​وقد قام جلالة الامبراطور ميجي في اليابان بنفس هذه الخطوات الإصلاحية في الجزء الثاني من منتصف القرن التاسع عشر، حينما تم وضع دستور للبلاد يعتمد على التجربتين البريطانية والألمانية، وليتم تحرير اليابان من نظام عساكر المقاطعات وسلطات السموراي، ورجوع سلطة القصر الامبراطوري، مع وضع قوانين لإمبراطورية دستورية، يقيدها جلالة الامبراطور، وبتناغم مع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وليتشكل البرلمان من مجلسين وهما المجلس النيابي المنتخب والمسئول رئيسيا على الأمور المالية، ليتفهم ممثلو الشعب محدودية الصرف المالي في الدولة، ومجلس المستشريينالمعين من جلالة الامبراطور، والذي ضم خيرة خبرات اليابان لوضع تشريعات لتطوير اليابان لدولة معاصرة. ولنتذكر عزيزي القارئ بأن هذا الدستور هو الذي طور اليابان من دولة اقطاعية متخلفة الى دولة رأسمالية صناعية عظمى. وبذلك تحولت اليابان من دولة اقطاعية تعتمد على احتكار رجال الاقطاع، الذين كانوا يملكون مساحات هائلة من الأراضي الزراعية، بينما عانى عامة الشعب من فاقة الفقر والحرمان والحروب. ومن اهم مميزات النظام الجديد، هو خلق فرص متساوية للمواطنين، وخلق بيئة صحية لتوزيع الثراء بشكل عادل، والذي اعتمد على المفهوم الاقتصادي الناتج المحلي الإجمالي، ونصيب كل فرد من هذا الناتج المحلي الإجمالي، ومع ارتباطه بانخفاض مؤشر "جني" لعدالة توزيع الثراء، وذلك بالاعتماد على قانون ضريبي تصاعدي. وقد تطورقانون الضرائب الياباني اليوم ليشمل مجموعة من الضرائب، لصرفها على الرعاية الصحية والعملية التعليمية والتطور الاسكاني والبنية التحتية، مع دعم المؤسسات الحكومية والتشريعية والقضائية. ويشمل النظام الضريبي الياباني على رزمة من الضرائب التصاعدية، بمعنى كلما ارتفع دخل وثراء المواطن، كلما كان مستوى استهلاكه اعلى، وكلما كانت مشاركته في دفع الضرائب أكبر. ويشمل النظام الضريبي الياباني على ضريبة على الدخل تتراوح بين 5% وحتى 45%، وضريبة على أرباح الشركات، وضريبة سنوية على الممتلكات، وضريبة على الإرث تصل إلى 50%، وضريبة على الهدايا، وضريبة على السيارات، وضريبة خاصة مرتفعة على السجاير والمشروبات الكحولية والغازولين. وطبعا هناك ثقافة شعبية عن أهمية دفع الضرائب كما ان التهرب من دفع الضرائب تعتبر نجاسة اجتماعية خسيسة تفقد المواطن احترامه من شعب بلده، كما ان محاسبة القانون عسيرة جدا. وبذلك تطور المجتمع الياباني إلى مجتمع طبقة متوسطة، ولتتحول الوظيفة إلى عمل أبدي، لليد العاملة جزء من أرباحها، ولتتحول الشركات الى مسئولية مجتمعية تجمع تناغم جميل بين صاحب رأس المال، واليد العاملة، والمستهلكين.  

​ولتفهم المفهوم الضريبي للنظام الرأسمالي ذي المسئولية المجتمعية، ليسمح لي عزيزي القارئ للرجوع لمن يسمى بفيلسوف وأب الاقتصاد الحديث، المفكر السكوتلانديالذي عاش في القرن الثامن، آدم سميث. ولد آدم سميث في مدينة اسكوتلاندية ساحلية صغيرة تسمى بمدينة كركالدي في عام 1723، وقد توفى والده وهو صغير في السن،لتتفرغ والدته في رعايته وتعليمه. وقد كان قوي الملاحظة وملهم للمعرفة منذ نعومة أظفاره، وخاصة بأنه كان سكن عائلته قريب لأسواق وميناء المدينة، ليتابع من نافدة غرفته حركة السوق، وتعاملات البائع والمشتري. وقد أنهى دراسته الجامعية بجامعة غلاسجو، ثم حصل على بعثة دراسية للالتحاق بجامعة اوكسفورد لتكملة دراسته المتخصصة، وليصبح جزءا من كادرها التعليمي، ولم تتقبل البيئة المحافظة في جامعة اوكسفورد أفكاره الاقتصادية العصرية، لذلك انتقل إلى جامعة ادنبره ليكمل تطوير ابحاثه وتكملة كتاباته، والتي من أهمها كتاب فلسفي عن اخلاقيات العاطفة البشرية، وكتاب اقتصادي عن ثراء الأمم. وقد درس آدم سميث بتمعن كيفية خلق تنمية مستدامة بخلق مجتمع متعاون ومتناغم وسعيد، وذلك بدراسة مستفيضة لأخلاقيات التعاطف البشرية، بمعنى إحساس الانسان بألم وسعادة أخوته في البشرية، والتي هي طبيعية أخلاقية بشرية مهمة لخلق مجتمع إنساني متكاتف ومتناغم، يستطيع تحقيق تنميته المستدامة، لخلق مجتمع متطور آمن ومسالم وسعيد. كما درس بدقة أسباب ثراء الأمم، ليضع نظريته المتقدمة في اساسيات علم الاقتصاد الحديث، وتصورات عن النظام الرأسمالي بأخلاقياته ومسئولياته المجتمعية من خلال توفير شبكة حماية اجتماعية، توفر رعاية صحية وتعليمية واسكانية ونظام للتقاعد والتعطل. وقد أكد آدم سميث على أهمية حماية حقوق الملكية الشخصية في المجتمع، وتجنب تدخل الحكومة في التجارة الحرة، مع وضع قوانين صارمة لمنع الاحتكار في السوق لكي تنافس الجودة وكفائه الإنتاج، كما أكد على أهمية التطور والتنمية التدريجية في المجتمع، وتجنب الثورات التي تعطل التنمية المستدامة،وتخلق الدكتاتوريات الاحتكارية للسلطة والاقتصاد والتجارة. كما ناقش التخصص في توزيع مهام العمل، والاهتمام بالمصالح الشخصية، وحرية التجارة، ويعتقد بأنه لو عمل كل فرد في المجتمع الأفضل لخدمة نفسه، سيكون ما هو الأفضل للمجتمع ككل، بينما كان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت بأن الاقتصاد متعلق بمصالح الملك، كما قيس ثراء الأمم بمالية المملكة مما بها من الذهب والفضة. بينما اعتقد آدم سميث بأنه يجب ان يقاس ثراء الأمم بالدخل السنوي للأمم، من خلال كفاءة إنتاجية شعبه، ليؤكد ولأول مرة بأن ثراء الامة متعلق بكفاءة شعبها في إنتاجية العمل، لا بكمية الذهب والفضة التي يملكها ملك بريطانيا. كما درس كيف يمكن ان ينمو ثراء الأمم، وكيف يمكن ان يعمل الشعب لدعم هذا النمو الاقتصادي، واعتبر سميث الأرض والعمالة ورأس المال ثلاثة قواعد أساسية للإنتاجية، والسبب الرئيسي لثراء الأمم. كما أكد بأن الأسعار مرتبطة بزيادة ونقصان البضائع، أي مرتبطة بقواعد الطلب والعرض، فكلما زاد الطلب على سلعة ما، زاد تنافس البشر على شراءها ليزداد سعرها في السوق. كما نادى آدم سميث بأن تكون تجارة السوق حرة وبدون احتكار، وفي القرن الثامن عشر كانت بعض الشركات العملاقة تحت سيطرة الحكومة البريطانية، كشركة الهند الشرقية. كما وضعت الحكومة البريطانية قوانين لدعم مصالحها، بينما لم تكن في مصلحة العمالة او المستهلكين، فمثلا كانت الحكومة البريطانية تسمح لمستعمراتها الامريكية زراعة القطن، ولكن لم تسمح لها بصناعة الثياب منها، بل على هذه المستعمرات استيراد الثياب من بريطانيا، وبالسعر الذي تحدد الإمبراطورية البريطانية، فقد اعتبر سميث بان ذلك يضر الافراد والمجتمع ككل، بل اعتقد بأنه من الأفضل ان تتحرك الأموال في المجتمع بحرية، وبطريقة طبيعية بين المشتري والبائع، وبدون تدخل خارجي، وبذلك تنقل الأموال للبائع الذي ينتج خيرة البضائع وبأفضل الاثمان، وبذلك حينما يحقق الفرد ما هو الأفضل لمصلحته فهو في الحقيقة ينتهي بتحقيق ما هو افضل للمجتمع ككل، وكأن يد خفية غير مرئية ترشد جميع افراد المجتمع، فكل فرد يعرف ظروفه اكثر مما تعرفه السلطة. كما نادى بالرأسمالية الحرة، ورفض تدخل الحكومة في الاقتصاد، ونادى بوجوب تركه لقوى العرض والطلب. وقد فرق سميث بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، فلفظ قيمة قد توحي بمعنيين مختلفين، فقد تعني أحيانا منفعة شيء خاص او قيمته الاستعمالية، واحيانا قد تعني، القدرة التي توفرها حيازة هذا الشيء لشراء بضائع أخرى، أي قيمته التبادلية، واعتقد بان الأشياء التي لها اكبر قيمة استعمالية ليس لها في الغالب الا قيمة تبادلية نسبية او ليست لها هذه القيمة اطلاقا، والعكس بالعكس، فليس هناك ما هو اكثر نفعا من الهواء، لكن لا نستطيع ان نشتري به شيء، أما اللؤلؤة بالعكس من ذلك، فليس لها تقريبا اية قيمة استعمالية، لكن نستطيع مبادلتها بكمية كبيرة من البضائع. ولنا لقاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي