: آخر تحديث

ترامب وأزمة خاشقجي وانتخابات الكونجرس

8
8
7
مواضيع ذات صلة

تستعين معظم الفضائيات الناطقة باسم النظام القطري وتلك الممولة من حكومته، بشخصيات لا علاقة بالسياسة، من ناحية كونها علم يٌدرسّ وله خبراء ومتخصصون، فتأتي النتائج كما نراها، في معظم الأحوال، أحاديث مثيرة للسخرية، فاضحة كاشفة عن جهالة واضحة، لا تعبر سوى عما بات يعرف بالتحليل بالتمني، الذي بات من أعظم المصطلحات والمفاهيم التي تنطبق على إدراك أمثال هؤلاء لما يحدث في العالم من حولنا.

التحليل بالتمني، هو أن يستحضر أحدهم مايدور بخاطره، أو ما طلب منه ترديده، أو ما يتمناه شخصياً هو أو من يمّوله، ثم يردده على أسماع المشاهدين باعتباره تحليل لموقف أو أزمة ما، في مشاهد تشبه استدعاء أي ممارس لكرة القدم في الشوارع لتحليل مباراة من مباريات كأس العالم!

مناسبة هذا الكلام، أنه رغم أجواء الحذر والترقب التي طغت على المشهد الإعلامي العربي والعالمي طيلة الفترة الماضية على خلفية أزمة خاشقجي، فإن فهم الكثيرين لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الأزمة كان مثيراً للسخرية بجدارة، حيث اعتبر هؤلاء أن البيت الأبيض غير قادر على بناء موقف أو تقدير استراتيجي للولايات المتحدة! علماً بأن ترامب تحديداً يبدو من أكثر الرؤساء في التاريخ الأمريكي وضوحاً وضوح الشمس في تحديد أولوياته ومرتكزات قراراته، فهو قد قالها منذ اليوم الأول: لا لإلغاء صفقات التسلح مع السعودية، وهذا الأمر لا يعني بالأساس أنه يعلي مصالحه الشخصية مع المملكة، رغم أن هذا واقع، لكنه يعطي أولوية مطلقة لمصلحة الناخب الأمريكي، أي يهتم بالوظائف، ومعدلات البطالة، وهو مالا يكف ترامب عن ترديده بين الفينة والأخرى، فكلمة وظائف لا تكاد تغادر فمه، ولا يجب أن ننسى أنه عندما عاد من زيارته التاريخية للرياض في مايو 2017، كانت أول كلمة يفسر بها التعاقدات الضخمة التي توصل إليها هو ترجمتها إلى كلمة "وظائف وظل يرددها في تغريداته كي يفهم ناخبوه ماذا تعني تحركاته ونجاحاته.

لا يمكن لترامب إذن أن يفصل بين أمور ثلاث أولها مصالحه الشخصية، كرئيس منتخب يسعى للحفاظ على شعبيته، كما يسعى للفوز بولاية رئاسية ثانية، وبين هذه الخطوة وتلك هناك هدف الفوز بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، التي تصادف ان تأتي ذروة حملاتها الانتخابية بالتزامن مع اندلاع أزمة خاشقجي، لتصبح هذه الأزمة إحدى أهم وأبرز أوراق تلك الحملة بالغة الأهمية في الحياة السياسية الأمريكية. وثاني هذه الأمور علاقة التحالف التاريخية بين السعودية والولايات المتحدة، وهي علاقة تحالف استراتيجي تعود إلى قيام العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين عام 1940، وبعدها التقى الرئيس روزفلت في 14 فبراير 1945 الملك عبدالعزيز آل سعود على ظهر البارجة الامريكية كوينسي في الخليج العربي، حيث بحث الزعيمان أسس العلاقات بين البلدين،  ووافقت السعودية على طلب الرئيس الأمريكي بالسماح للقوة الجوية الأمريكية بتأسيس قواعد لها في السعودية، كما اعيد بناء المنشآت النفطية التي تضررت بالقصف الايطالية والتي اصبحت تتمتع بحماية أمريكية، وافتتحت أول قنصلية أمريكية في الظهران في عام 1944، وجاء إعلان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في فبراير 1943 عن أن "الدفاع عن السعودية يعد امرا حيويا بالنسبة للدفاع عن الولايات المتحدة"، بمنزلة أو إعلان رسمي عن هدف التحالف الاستراتيجي وتحوله إلى صيغة مؤسسية تقوم على تعاون البلدين ضد المد الشيوعي وضمان أمن الطاقة مقبل ضمان استقرار الأسعار والاقتصادات الغربية.

وطيلة تلك الرحلة التاريخية الطويلة ظل التعاون السمة الطاغية على علاقات التحالف السعودية الامريكية عدا فترات خلاف عابرة، وسرعان ماكان يتم تجاوزها بالعودة إلى أسس وركائز التحالف، إذ لم يشهد التاريخ الأمريكي قيام أي رئيس أمريكي بالإضرار بأسس التحالف مع السعودية مطلقاً، بل كان لكل رئيس إضافات نوعية في علاقات بلاده مع الحليف الاستراتيجي السعودي، وهي إضافات كانت غالباً تتمحور حول التعاون الاقتصادي وصفقات التسلح، ولكن انتشار وسائل الاعلام أفقياً بدرجة هائلة أسهم في نشر تفاصيل العلاقات بين الدول، وفتح المجال واسعاً للتركيز على أمور معتادة وليست طارئة أو عابرة في علاقات الحلفاء.

ما أقصده أن ترامب، كغيره من الرؤساء السابقين، لا يستطيع الاضرار بعلاقات التحالف مع السعودية، باعتبارها إحدى ركائز الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والمسألة لا تتعلق بالنفط فقط، ولكنها تتسع لتشمل المكانة الدينية والروحية للمملكة كأكبر قوة إسلامية سنّية في مواجهة التمدد الشيعي الإيراني، وتتعلق ايضاً بموقع المملكة وعنصر الجغرافيا الذي يجعل من التعاون معها مسألة حتمية لقوة عظمى وحيدة تهيمن على النظام العالمي القائم كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية. والأمر او المتغير الثالث هنا هو انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، التي ستجرى في الأسبوع الأول من نوفمبر المقبل، حيث تم توظيف أزمة خاشقجي كورقة ضغط مؤثرة للنيل من الرئيس ترامب في تلك الانتخابات، التي يراهن عليها شخصياً ليس فقط لوأد أي محاولة يزمع الديمقراطيين القيام بها لعزله من منصبه، ولكن أيضاً للفوز بولاية رئاسية ثانية.

هذه الانتخابات ستحدد شكل العامين المتبقيين من ولاية الرئيس ترامب، إما أن يزداد قوة، أو يكمل فترته رئيساً ضعيفاً (بطة عرجاء كما يقال في الأدبيات السياسية الأمريكية)، فانتخابات التجديد النصفي هي بالأساس اختبار لشعبية ترامب وسياساته وتوجهاته.

وتشهد هذه الانتخابات بالذات توظيفاً للسياسة الخارجية بشكل غير مسبوق، حيث يجري التصويت على غير العادة على قضايا الخارج لا الداخل الذي يهم الناخب الأمريكي بالدرجة الأولى، ولا ينسى ترامب أن إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن قد نجحت في توظيف حملتها ضد الإرهاب في الفوز بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس عام 2002، وكان يريد تكرار هذه المسألة عبر إسماع الناخبين ما يريدون مثل كم الأموال الهائلة التي حصلت عليها الخزانة الأمريكية من رسوم الواردات الصينية ورسوم الجمارك وإلغاء اتفاقيات التجارة والضغط على دول حليفة مثل السعودية وغير ذلك من مظاهر لسياسة الصفقات التي ينتهجها.

 إذن الانتخابات هي المحرك الأساسي لتصريحات ترامب في أزمة خاشقجي، فهو يريد بالأساس تفويت الفرصة على الديمقراطيين لاتهامه بالانحياز للسعودية، ولا يريد بالمقابل خسارة الصفقات التي نجح في عقدها معها، ومن ثم فهو في هذه الأزمة كمن يمشي على حبل مشدود، لا يدركه الكثيرون، ولكنها الحقيقة، التي يعتبرها البعض تردداً للرئيس ترامب أو رغبة منه في حماية حلفائه لأسباب خفية، ثم يتهكمون تارة أخرى حين تتناقل تقارير صحفية مزاعم منسوبة إليه حول عدم معرفته الشخصية بولي العهد السعودي! هذا "التخبط" الذي يتحدثون عنه هو بالأساس تخبط من لا يفهمون محركات السياسة الأمريكية ودينامياتها، فأبسط قواعد السياسة تقضي بألا نتعامل مع ظاهر الكلام، فكيف لنا أن نتحرك وراء كل كلمة ينطقها الرئيس الأمريكي ونحكم من خلالها على علاقات استراتيحية تمتد لأكثر من سبعة عقود!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي