: آخر تحديث

قراءة في كتاب (إبادة الكتب) – 1/2

8
8
7
مواضيع ذات صلة

في كتابها الرائع بعنوان " إبادة الكتب – تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين"، تقول المؤلفة "ربيكا نوث" الأستاذة بجامعة هاواي- برنامج علوم المكتبات والمعلومات -عن أهمية المكتبة في الحضارة الإنسانية: إنه ما دامت الحضارة موجودة، فإن حفظ الخبرة والذكاء الاجتماعي أو "المعرفة" ضرورة ملازمة. ومن هنا فإن الحضارات المتعاقبة قد اعتقدت أن من الواجب عليها أن تنقل هذه المعرفة من جيل إلى آخر بحيث يكون هناك على الدوام هيكل أساسي للثقافة. وتشير "نوث" إلى ما في تلك الرغبة من معان خفية تتماشى مع الشعور البشري الدائم الذي ينزع إلى الرغبة في تجاوز الفناء.

بحسب ما تذكره "المؤلفة"، فقد وصلت إلينا معرفتنا بالنصوص المبكرة في شكل شذرات تاريخية: رسومات غريبة على جدران الكهوف والمقابر والقصور، وقطع من ألواح طينية ومسلات وأحجار متنوعة، وذلك لأن الجماعات البشرية الأولى قد عمدت إلى بث المعلومات بالصور والرموز أولا، ثم بنقوش مجردة تمثّل حروفا وكلمات، ونقوش تعبر عن أفكار ومفاهيم، وفي النهاية بالحروف الهجائية.

وترجح "المؤلفة" أن من بين أوائل المكتبات المعروفة تاريخيا، كانت المكتبة المصرية التي يرجع تاريخها إلى نحو العام 300 ق.م، كما يعتقد أن السومريين هم أول شعب متعلم، إذ يرجع أول نص لهم إلى نحو العام 3200 ق.م، حيث حفظت مكتباتهم نصوصا وأطروحات عن الدين والفلك والطب والرياضيات والأدب.

وتعتقد "المؤلفة" أن المكتبات القديمة قد ظهرت في العادة لمساندة المسؤولين الحكوميين والنخب الدينية والحكام الذين زعموا لأنفسهم الشرعية على أسس دينية، حيث استمر الربط بين النصوص المكتوبة والدين على مر التاريخ. فعلى سبيل المثال حمل العبرانيون مكتبتهم القومية في تابوت العهد واستمر اعتماد الديانتين المسيحية والإسلامية بدرجة كبيرة على النصوص المكتوبة حتى اللحظة الراهنة.

في البداية، تحاول "المؤلفة" أن تظهر العلاقة القائمة ما بين إبادة الكتب وفكرة الإبادة الجماعية، فتقول: من قلب الفوضى التي نجمت عن عدوان الأنظمة المتطرفة برزت إلى الوجود الإبادة الجماعية والإبادة الإثنية، وهما ظاهرتان يمكن إدراكهما وعزوهما بوضوح إلى الأفكار، أما النمط الثالث الذي أقترحه، وهو إبادة الكتب، فيقع داخل هذا الإطار النظري ذاته.

ترى المؤلفة: أن  الكثير من الناس يظهرون تأثرا عميقا إذا نما إلى علمهم تعرض الكتب والمكتبات لدمار عنيف، ويكشف الحزن والخوف اللذان يسريان في روايات شهود العيان عن إحساس بأن تدمير النصوص لا يدل فقط على الانهيار الوشيك للنظام والسلم، بل أيضا على مستقبل مهدد، وإحساس الضحايا بالخسارة، وتفسر تلك الأحاسيس بقولها إن "إحراق الكتب ينتهك مُثل الحقيقة والجمال والتقدم، بل الحضارة ذاتها، فبالإضافة إلى ما تتسم به الكتب من حيوية لصيقة بجوهرها، فهي تنفخ في المجتمعات الروح، حيث يقترن الحزن والغضب في رد فعل البشر على الظلام الذي يخلفه العنف وبشاعة الجريمة، وغياب النظام والأمن، والعبثية البادية في فعل التدمير".

بعد ذلك تتعرض "المؤلفة" للتطور الذي لحق بعملية طباعة الكتب في العصر الحديث، وفي مرحلة الحداثة على وجه الخصوص، وهي المرحلة التي تعرفها الكاتبة بأنها "مرحلة التطور الثقافي الغربي فيما بعد عصر النهضة"، وهي مرحلة شهدت تحديا للنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العتيقة، حيث أتاحت آلة الطباعة فرصة مثالية لتفتيت الهيمنة الدينية. وكذلك فقد أتاح انتشار موارد الطباعة وما أعقبة من انتشار المعلومات، ازدهار العلوم والتكنولوجيا، وتطور أفكار جديدة عن النزعة الفردية وحقوق الإنسان، وبروز وحدة تعريف مستحدثة لهوية الجماعة، وهي الأمة.

تقول "المؤلفة"، في أثناء فترات الاضطراب الاجتماعي وفي ظل استنزاف الموارد في القرن العشرين، استولى القوميون والثوريون على السلطة، وأحكموا قبضتهم عليها وفرضوا أيديولوجيات أضفت على السياسات قداسة التفويض الإلهي، وهكذا فرضت الحكومات الاستبدادية من اليسار واليمين على حد سواء الرأي الواحد القويم داخل بلدانها ثم عمدت إلى فعل الشيء نفسه في الخارج، ومن ثم مارست النظم السياسية المتطرفة الإبادة الإثنية ضد أعدائها.

تعتقد "المؤلفة" أن مناوئي هذه النزعة التسلطية، قد استمدوا قوة معارضتهم، من روح الأفكار التي ينتمون إليها، وكانت تلك الأفكار إما من الدين، وإما من النزعة الإنسية. وبحلول القرن العشرين صارت النزعة الإنسية مرتبطة بالمجتمعات الديمقراطية، حيث اتخذت شكل الأفكار والمثل الرائجة مثل المساواة والتعددية والنزعة الفردية والتسامح وحقوق الإنسان. وتؤكد "المؤلفة" على أن الأنظمة المتمذهبة بالنزعة الإنسية، والتي شاعت فيها روح التعددية والديموقراطية، قد بقت في العادة بعيدة عن استهداف المؤسسات الثقافية والفكرية، وذلك رغم قدرتها في الكثير من الأحيان على ممارسة العنف عندما تتعرض للتهديد.

شاعر القرن التاسع عشر الالماني "هاينريش هاينه" يقول: "عندما يقدمون على حرق الكتب فسوف يؤول بهم الأمر الى حرق البشر أنفسهم". وهذا القول صحيح حيث ان اغلبية ضحايا القرن العشرين، من الكتب والبشر على حد سواء، نجمت عن صراعات دارت حول نزاعات سياسية وأيديولوجية، وهذه حقيقة تشير الى ان هذين العنصرين المثيرين للخلاف من عناصر المجتمع الإنساني والسياسة والأيديولوجيا، يشكلان اطارا نظريا لفهم ظاهرة إبادة الكتب والمكتبات. 

في الحلقة الثانية، سوف نعرض لما فعله الألمان بالكتب والمكتبات خلال احتلالهم لبعض الدول الأوروبية إبان الحرب العالمية الثانية، وما فعله الصرب في كرواتيا والبوسنة والهرسك خلال الحرب الأهلية، وما فعله النظام العراقي السابق خلال احتلاله للكويت، وما فعله الصينيون خلال الثورة الثقافية.  

المصدر: كتاب "إبادة الكتب" – عالم المعرفة – العدد 461 – يونيو 2018. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي