: آخر تحديث

فيكتور أواربان وعودة الشوفينية الى أوروبا

12
7
6
مواضيع ذات صلة

يتعرَّض الوزير الأول المجري فيكتور أوربان الى هجمات واسعة وعنيفة من قبل الأحزاب اليسارية والمنظمات الحقوقية والعديد من الشخصيات الفكرية المرموقة بسبب مواقفه المعارضة للهجرة، ومطالبته باتخاذ اجراءات حازمة وفعلية للحدّ منها لأنها "تهدد أمن اوروبا"، مُمهدة ل"غزو اسلامي جديد" بحسب تعبيره. ومؤخرا  أصدر البرلمان الأوروبي بيانا يدين فيه بشدة مواقف فيكتور أوربان" المعادية لحقوق الانسان". 

 وكانت حملات الانتقاد ضد مواقف اوربان قد بدأ{ت قبل سنوات. ففي افتتاحيّتها الرئيسيّة كتبت جريدة "ليبيراسيون" الفرنسية  في عددها الصادر يوم الجمعة 25 سبتمبر-أيلول 2015 تقول:" هناك خطر يتهدّد أوروبا ألا وهو القومية الشوفينية. والرائد، والمثال، والمبشر بذلك هو فيكتور أوربان .إن سياسة الوزير الأول المجري تجسّد بطريقة فظّة وخشنة ما تخطط الأحزاب اليمينية المتشدّدة للقيام به في العديد من البلدان، أي غلق الحدود، وانتهاج سياسة متشددة تجاه المهاجرين، ومعاداة الاسلام، والدعوة الى العودة الى القيم التقليدية القديمة، ورفض التضامن الأوروبي ". وباسم البرلمان الأوروبي أدلى الوزير الأول البلجيكي السابق، ورئيس الكتلة الديمقراطية الليبيرالية في البرلمان المذكور،  غاي فارهوفشتادت،  بتصريح الى نفس الصحيفة قال فيه بإن مواقف الوزير الأول المجري ليست "منسجمة مع سياسة الإتحاد الأوروبي  في كلّ ما يتّصل بالهجرة، مشيرا الى أن الكتلة التي يتزعمها ستعمل على رفع مذكرة الى البرلمان الأوروبي للمطالبة بطرد المجر من الاتحاد بسبب الطريقة "اللانسانية" التي تتعامل بها حكومة فيكتور أوربان مع ملف  الهجرة. وهو يعتبر هذه المعاملة "خرقا صارخا" للقيم الأوروبية. ونصح غاي فارهوفشتادت الوزير الأول المجري بالقدوم الى بروكسيل بهدف مناقشة صريحة بشأن المشاكل المترتبة عن تدفق المهاجرين الى بلاده والى بلدان أوروبية أخرى مثل اليونان وايطاليا. أما إقامة جدار، ،واطلاق النار على المهاجرين فلن يكون ذلك" لا نافعا ولا مفيدا بل مضرا لسمعته ولسمعة بلاده!".

وكان فيكتور اوربان قد اتخذ العديد من الإجراءات تجاه تدفق المهاجرين منها إقامة جدار عازل بين بلاده وصربيا يقدر طوله ب 178 كلم، وتجريم كلّ المتسللين عبر الحدود ،واصدار أحكام قاسية بشأنهم، بل أنه أمر بإطلاق النار خلال صيف 2015 عندما بلغ عدد المهاجرين الذروة. وفي حوار أجرته معه جريدة "فرانكفورت الجماينة" الألمانية واسعة الإنتشار، أشار فيكتور أوربان بأن جلّ المهاجرين ينتمون الى بلدان إسلامية، وبالتالي فإنهم سيشكلون مستقبلا "تهديدا واضحا وخطيرا على المسيحية وعلى الهوية الأوروبية". وأضاف يقول:”من واجبنا اتخاذ تدابير ناجعة وفعلية ضد موجات المهاجرين وإلاّ فإن أوروبا سيحكمها المسلمون مستقبلا، وسيصبح الإرهاب يوميا في عواصمنا ومدننا.والذين يتكلمون باسم المبادئ الإنسانية لا يدركون حقا المخاطر التي تواجهها اوروبا راهنا. وأنا أعتقد أن ما تقوم به حكومة بلادي هو في الإتجاه الصحيح. وهو يخدم مصالح أوروبا أولا وأخيرا".

ولم يأت الوزير الأول  بأيّ شيء جديد في موافقه. فمنذ عام 2010 وهو لا يكاد ينقطع في جلّ خطبه عن الدفاع عم ما يسميه ب"القيم الأوروبية"، وعن "الدور الكبير الذي يجب أن تلعبه القيم التقليدية في تحديد مستقل اوروبا". وفي خطاب ألقاه خلال زيارة أداها الى العاصمة البريطانية، شدد على أن بناء اوروبا الجديدة "لا بد أن يقوم على أسس مسيحيّة". وقبل أسابيع قليلة من صعوده الى السلطة، نشرت الصحف المجرية صورة له وهو يصليّ في مكتبه بصحبة عائلته. وقد فعل هذا لكسب المزيد من أصوات اليمين المتطرف الذي أصبح يتمتع بحظوة لدى نسبة هامة من المجريين. كما أن حكومته دأبت منذ توليها السلطة على غضّ الطرف عن "حليقي الرؤوس"، وعن النازيين الجدد الذين يظهرون عداء للأجانب. وهم  يستغلون  الجرائم الإرهابية لإثبات أن التعايش مع المسلمين غير ممكن، بل مستحيل.

وفي مطلع شهر مايو-أيار من عام 2015، نظمت حكومة فيكتور أوربان استفتاء يقوم على السؤال التالي :”هل أنتم متفقون على أن يهدّد المهاجرون مصدر عيش المجريين؟". وفي نفس الوقت ، وزعت مناشير تطالب فيها الأجانب ب"احترام ثقافة البلاد، وتقاليدها العريقة". وفي  صيف  العام المذكور، وقف اوربان أمام نواب البرلمان في بوداباست ليعلن الحرب على الهجرة قائلا :”ما يحدث اليوم هو غزو حقيقي . بلادنا مهددة بالغزاة القادمين من الشرق. والمجر وكل البلدان الأوروبية الأخرى مهددة راهنا". وأضاف أوربان قائلا بإن الخطر الذي يتهدد أوروبا هو "تعايش الإسلام وديانات شرقية أخرى مع المسيحية". 

وبإيعاز منه، شرعت الصحف المجرية اليمينية في نشر مقالات وتعليقات تطالب فيها بضرورة "اختيار القائد الحازم القادر على إنقاذ المجر من المخاطر الجسيمة التي تهدد أمنها وثقافتها ووجودها أصلا". وخلال  السبع  سنوات الماضية، حرص أوربان على توطيد سلطته من خلال الحد من حرية الصحافة، وتكميم أفواه المعارضين، وضرب المنظمات المدنية، والسيطرة على البنك المركزي لتصبح الديمقراطية التي يشيد بها في كل خطبه الحماسية مجرد كلمة لا معنى لها ولا مدلول.

وكان الكاتب المجري الكبير خورخي كونراد قد وصف فيكتور اوربان عام 2010 على النحو التالي :”إنه بوتين لكن بأقل عنف. وهو برلسكوني لكن بأقل حدة في المجال الرأسمالي. وهو يريد أن تكون له الكلمة الأولى في السياسة وفي الإقتصاد ، وفي السياسة الخارجية...أنه ديكتاتور بقناع ديمقراطي". وأما الصحافية الفرنسية فلورانس لابريار فقد وصفته على النحو التالي:”في كرة القدم، لعبته المفضلة، كما في السياسة، يريد اوربان ان يكون مهاجما شرسا. وهو يرغب في أن يكون المنتصر دائما وأبدا. فإن لم ينتصر، يصاب بالضجر والكآبة ذلك أنه لا يجد نفسه أمام عدو لا بدّ أن ينال منه!”.

وقد بدأ فيكتور أوربان مسيرته السياسية عام 1989،أي في نفس السنة الني انهار فيها جدار برلين، وسقطت الأنظمة الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية . وفي ذلك الوقت الذي شاعت فيه نظرية "نهاية التاريخ" لفوكايما ، كان هو طالبا متحمسا للديمقراطية الغربية .وكان يطالب في التظاهرات اليومية التي كانت تشهدها بلاده بضرورة خروج القوات الروسية. وكانت خطبه تلاقي صدى واسعا لدى كلّ الذين أرهقتهم سنوات الشيوعية الرمادية الكئيبة. لذا أصبح يحظى بشهرة واسعة .بل أن وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية كانت تتهافت على التحاور معه مقدمة اياه ك"رمز لمستقبل المجر" بعد انهيار الشيوعية. ولدعم شعبيه ،قام فيكتور أوربان بتأسيس حزب "جمعية الشبان الديمقراطيين" الذي فاز ب21 مقعدا في الإنتخابات الحرة التي انتظمت في عام 1990. وقد اختار هذا الحزب اللون البرتقالي كرمز له باعتبار أن جميع أنصاره شبان عازمون على طيّ صفحة الماضي الرمادية ، وتحقيق حياة أفضل للشعب المجري. 

وكان فيكتور أوربان يظهر اعجابا كبيرا بالأفكار التي تنتصر للحداثة وللتنوير وللتقدم. وعندما أدرك أن أفكاره تلك لن تمكنه من تحقيق طموحاته، انقلب عليها ليؤسس في عام 1993 حزبا محافظا حاول أن يجعله شبيها بالحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا. ولم يكتف بذلك، بل أصبح يتردد على الكنيسة هو الذي لم يظهر من قبل أي ميل للدين. ومتحالفا مع الحزب الشعبوي، تمكن حزب "جمعية الشبان الديمقراطيين" من الفوز في انتخابات عام 1989. وبذلك أصبح وزيرا اول وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. وفي هذه الفترة كسب تأييد الطبقة المتوسطة.،  وحظيت السياسة المحافظة بإعجاب العائلات المتدينة ،وبتقدير كل الذين يرغبون في الحفاظ على الروابط العائلية وعلى التقاليد القديمة التي كان الشيوعيون يحاربونها، ويعملون على محوها من الوجود. وكانت خطبه النارية تلهب الجماهير الغفيرة. مع ذلك لم يتمكن حزبه من الفوز في انتخابات عام 2002. وكان عليه أن يمضي سنوات طويلة هو يعاني من أزمات نفسية حادة .وفي البرلمان كان يكتفي بالإستماع الى ما يقوله الآخرون. ولم يتدخل في المداولات سوى مرة واحدة. وقبل انتخابات 2010، شرع أوربان في شنّ هجومات عنيفة على الليبيراليين وعلى الديمقراطيين. وبخطابه هذا، استطاع أن يستعيد شعبيته المفقودة ،مستغلا أخطاء فادحة كان قد ارتكبها خصومه السياسيون على مدى 8 سنوات .كما أنه استفاد من ضعف الأحزاب اليسارية، ومن خلافاتهم ليصبح حزبه مهيمنا من جديد على الحياة السياسية في المجر. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي