: آخر تحديث

عبقريات مخرج مسلسل هارون الرشيد

7
7
9

ويقولون أن العرب متخلفون عن ركب الحضارة الانسانية ، وأنهم يعيشون على هامش الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي ، ويعتمدون كلية على ما تقدمه لهم الحضارة الغربية.  ناسين أو متناسين بأن لدينا مخرجي مسلسلات يقدمون في كل رمضان إبتكارات جديدة لا تستطيع الحضارة الغربية أن تجاريهم فيها ، آخرها إبتكار مخرج مسلسل هارون الرشيد بتشييد مسرح عائم في القرن الثاني الهجري ، أي قبل أكثر من ألف ومئتي سنة ، لكي ترقص وتغني عليه إحدى الجواري المغنيات من ألحان الموسيقار إسحاق الموصلي ، فيبدو المنظر مشابها تماما لمعجزة مشي السيد المسيح فوق الماء ؟!!!

ولم يفت مخرج المسلسل أن ينشيء كذلك مسرحا غنائيا في إحدى حانات بغداد بذلك الزمن البعيد ، ويجعل خلف المطربة المحبوبة ( شعوان ) تختا موسيقيا بكامل أعضائه من عازفي الناي والعود والإيقاع ، ولم ينقص التخت سوى آلة الجيتار لكي تبدأ الجوقة بعزف مقدمة أغنية " انت عمري " للموسيقار محمد عبدالوهاب .

منذ حلقاته الأولى سقط المسلسل من عيني ، ولولا الأداء الرائع وفوق حدود الابداع للعملاق الكبير ( ياسر المصري ) الذي حببني الى متابعة هذا المسلسل الفنتازي ، لكنت تركته ، ولكن أبهرني هذا الفنان العظيم بأدائه الرائع كالعادة ودفعني كي إستمر بالمشاهدة الى الحلقة الأخيرة .

حاول المخرج أن يركز فقط على المؤامرات والدسائس التي شهدها قصر الخليفة أيام حكمه لحين القضاء على البرامكة . ولذلك أقحم مشاهد غير واقعية بأحداث المسلسل وتعد بمجملها أخطاء فادحة وسقطات كبيرة للمسلسل ، منها، محاولة إغتيال الرشيد بالسم على يد جارية مملوكة لجعفر البرمكي ، ثم محاولة البرمكي الثانية بتجهيز جارية أخرى لقتل الرشيد بخنجر مسموم ، وإفتعال مرض الرشيد بالحمى وسعي البرامكة لإعلان خلافة المأمون ، وأخيرا مؤامرة جعفر البرمكي مع يحيى الطالبي والتي إنتهت بإخراج الطالبي من محبسه ، وهذا غير صحيح ، فالمصادر التاريخية تتحدث أن يحيى بن عبدالله الطالبي مات وهو في سجن الرشيد ولم يطلق سراحه ، ولكن لأن المخرج كان هدفه هو فقط التركيز على المؤامرات والدسائس ، فقد إبتدع هذا الكم الكبير من المؤامرات لكي يطيل من وقت المسلسل بحيث يغطي كامل شهر رمضان ، وان كان ذلك على حساب حقائق التاريخ !.

صور المسلسل ابن الرشيد أحمد من زوجته العصماء والمعروف بـ" احمد السبتي " وهو شاب لاعمل له سوى شغفه وهيامه بمغنية راقصة في إحدى حانات بغداد ، حتى أنه واجه الكثير  من المشاكل بسبب هذا العشق الجنوني الذي أدى به الى السجن والتعرض للضرب على يد منافسه على قلب حبيبته ، وأخيرا فراره من بغداد معها الى دمشق ، في حين أن معظم مصادر التاريخ تتحدث عن زهد وتقوى هذا الولد ، وتروي المصادر أنه كان يعمل فقط أيام السبت مقابل درهم واحد ، لكي يتدبر قوته اليومي لبقية أيام الاسبوع التي يخصصها للعبادة والانعزال عن الناس ، لكن المسلسل أدام حضوره يوميا أمام حانة الجارية المغنية وكأن لاهم له سوى الجري وراءها والمصارعة من أجل نيلها .

ولم أعرف الحكمة من تصوير الأمين ولي عهد الرشيد كشاب حليق الذقن ، في حين أن هذا الأمر لم يكن مألوفا في ذلك العصر ، ويتناقض تماما مع إلتزام خلفاء الرسول بسنة نبيهم الكريم الذي قال بحف الشارب وإطلاق اللحية ، والغريب أن المسلسل أظهر جبرائيل الطبيب الخاص للرشيد وهو نصراني كثيف اللحية ، في حين أظهر خليفة رسول الله القادم حليق اللحية وبـ( لوك ) الألفية الثالثة للميلاد !.

أما مسألة الجارية ضياء فقد تم حشر دورها حشرا ودون حاجة الى المسلسل اللهم إلا لتطويل الحلقات ، وإلا لم يكن هناك أي داع لخلق هذه الشخصية التي لم تقدم ولم تؤخر من أحداث المسلسل شيئا.

مشكلة الدراما العربية أن كل من يسهم في الخوض بأحداث التاريخ يروي تلك الأحداث كما يراه هو وليس كما مدون في بطون كتب التاريخ ومراجعه ومصادره ، ففي حين نجد أن الدراما المصرية تروي بأن الرشيد عثر فعلا على زوجته العصماء وأنه أسكنها في احد قصوره ببغداد ، نجد الدراما السورية يضيعها في البصرة ويمضي الرشيد خلال ثلاثون حلقة يبحث عنها دون جدوى الى أن تموت  دون أن يراها مرة أخرى . 

هناك العديد من الأفلام الأميركية تروي قصص وسير حياة بعض الشخصيات التي كان لها دور في الأحداث ، وتوثق لقصص حقيقية من دون أي تصرف شاذ بوقائع تلك الأحداث ، وهذه الأعمال تتحدث بأمانة عن قصص حقيقية منها على سبيل المثال الفلم الذي يتحدث عن قصة (ايرين برونكوفيتش) التي مثلتها جوليا روبرتس ، أو أفلام الممثل الكبير توم هانكس المعتمدة على أحداث حقيقية منها ( حرب تشارلي ويلسون ) السيناتور الأمريكي الذي ساهم بتسليح ثوار أفغانستان ، و فلم ( البحث عن الجندي رايان ) وفلم  ( المنبوذ ) وأفلام أخرى كثيرة تعتمد قصص تاريخية حقيقية لشخصيات التاريخ الغربي ، فلا يتجاسر الكثيرون من منفذي هذه الأفلام بالتجني على تاريخهم مثلما يفعل العرب بتاريخهم وروايته بمزاج شخصي .

مشكلة المشاهد العربي أنه مضطر بمتابعة كم هائل من مثل هذه المسلسلات خلال شهر رمضان من كل عام ، ويندر أن يخرج مسلسل على مستوى الطموح ، قصة وتمثيلا واخراجا ، فكل ما هنالك لايعدو سوى تشويشا وتخديرا وتحشيشا للمشاهد العربي .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي