: آخر تحديث

التلميع في فنّ التطبيع

21
18
21

صفحات من أوراق عزيز العربي                                                                                 

تلقّى السيد عزيزُ دعوة من جهة، عرِف ضمنًا اهتمامها بالثقافة. كانت الأردنُ نقطةَ وصول أو عبور، لم يكن متأكّدًا من تفاصيل سفره، لكنه تجاوز سؤالَ نفِسه: كيف قبِل مثلَ هذه الدعوة؟

  في البدء، اعتبر الرحلةَ تنفيسًا عن مخنوق لم يخرج من تحت قبّة الوطنمنذ فترة طويلة، ترَكَ أبو الكرامة (وهذالقبه) لفكرةِ التغيير أنْ تأخذَه إلى حيث الثقافة والأضواء ولقاءات عروبية شرقّالمتوسط.

وجد نفسه في صباح اليوم التالي وجهًالوجه مع القدس؛ التاريخ: أزقّة عامرةبالسابلة وأرصفة سكّتها الأقدام عبر العصور، طرقٌ يعبُرُها طهرُ الراسخين ودنسُ الغزاة صباح مساء، هنا يتداخلُصوت الأذان مع قرْع الأجراس. تحضُر كلماتُ الأصدقاء عبر توتير وفيس بوك، صوتُ إيليان عبر إذاعة الوطن المحتل، قصصُ حسين المناصرة، وجهُ زميل الجامعة محمود ذو الذقن الثوري،البرغوثي يعلنها شِعرًا: "من في القدسإلاّ أنت "! وزهرة المدائن تنثر الحنين شذى مبذورا في الساحات والممرات، ابن العذراء يوزّع آلامه بين الناصرة وبيت لحم. أغاني الراحلة ريم بنّا لا تزال تنشد(تجلّيات الوجْد والثورة) في سرادقالعزاء في أربعينها.

 مشغولًا بتوزيع نظراته بين الوفد القادممعه من دول الجامعة، وبين ما يجري من صور تسيل أمام ناظره وخاطره، مشاهدُلا قِبل له بصدّها:

  أسواق تفيض بالتاريخ، مؤابيون يصدّون الغزاة، وعلى حجَر ينقشون البطولة تخليدًا لمِيشَع، وجوهٌ كنعانيةتفيض صمتًا، جبّارون يتجوّل بينهمشمشون بشَعْره المضفور، فيما دليلة ترشد الأعداء إلى نقطة ضعفه، دماءتجري تحت سنابك خيل ريتشارد قلب الأسد، صلاح الدين يشنّ حربَ تحريرٍمظفّرة، مؤابيون ومماليك يعبرون الكتب، يضعون رحالهم على أرْباض يهودا والسامرة.

 أنبياء وقتلة، برنامجٌ عن عكّا، ساحلُها الذي يفيض بالناس يصطادون السعادة غطسًا، يقفزون في البحر من الصباح حتى الأصيل ثم ينامون على تاريخ يرقد تحت قلاعها! تحضرُ أمام عينيه يافا الجميلةُ مزهرةً بالبرتقال، وينحدر إلى أريحا: أقدمِ مدينة في العالم، ويمرّ على دكاكين وعمارات نابلس التي تقيم الاقتصاد، وتهمس في أذن عرب النقبسرّ الصمود، الرومان يجرّون عرباتهم،يقيمون الجسور والقلاع، بسيقانهم العارية يؤسسون إدارة مترامية الشعوب، إذاعاتٌ عربية تهجّر سكان القرى المنكوبة بعد مجازر الهاغاناه،مدن تصمد قليلًا ثم تستسلّم بانتظار جيوشٍ صدئة، هاربون على أمل أن يعودوا بعد يومين. لكنها الخيام في الوطن، الخيام في المنافي بين أن تكون وطنًا مؤقتًا أو بديلاً!

  يشعر بغرابة لا تفسير لها غير أنه ما خطّط لشيء من هذا! رحلة من عالم المستحيل، لا يملك إلا أن يواصل السير مع الوفد الكبير حينَا، وحينًا تأخذهخطواته نحو تاريخ منفلتاً لا يمكن التحكّم به، بين مئة عام يقع بلفوروترامب: وعدٌ بقرار وقرارٌ بوعد لأجل حفنة أكاذيب، حضورٌ ممتد من صفحاتالبداية والنهاية حتى قناة الجزيرة ونُذُرالاحتفال بـ 70 عامًا، عاش منها 50حولًا يتذكّر ما استطاع، ويرفض ما أمكنه رفضه، ثم يجلس العربيُّ مستسلمًا أمام الشاشات تحت قصف يعزف، وحسراتٍ تجمّدت على أبواب 48مدينة و67 قرية كي يجفّ حبرُ93 اتفاقية ووينجحَ2000 اجتماع!

يسير في الممرات، يحاذي باب المغاربة،يمسح الدموعَ عن دربِ الآلام .. حائط تهتزّ خلفه اللحى والضفائر القادمة من تلمود الغواية!  

وهو يسير إلى البلدة القديمة مرورًابالوقف العُمَري. اختلطت خطواتُه بسيّاح العالم حاملين كِذْبَة السلام،وتمتمات قادمة من تيهٍ سيناوي لا حل له إلا بتشريد شعب آخر لتكتبَ تغربيةٌجديدة. شعر بقدميه تلامسان برفقذكريات وتضحيات المرابطين دفاعًا عنالقدس لتبقى مفتوحة للأديان. 

اقتربت وسائلُ إعلام تريد منه تصريحًا.سرتْ في خياله عدّةُ كلمات عبرية درسها على يد أستاذه الدكتور حسن ظاظا (زميل شامير في الجامعة العبرية في الخمسينيات.) اكتفى بالتحايا من يدأحسَّ بآلامها في تلك اللحظة، يده التيكانت تتحرك ثقيلة، وكأنها تهشّ، بل تحاول منع ما يستجدّ في اللحظة الغريبة .. تذكّر الفتاوي التي تجيز السلام والتي تحرّمه مع أدعياء بني يعقوب، وتلك المواقف التي تقدم تبريراتٍ أفضتْ إلى أوسلو-الكارثة!

   تنحنح، أراد أن يتكلم، خانته حبالُ الصوت واندحرت الكلماتُ لتعلوَ دموعُ أمهاتٍ طالما ودعّت الشهداء العاشقين لموتٍ ينتظرهم على المعابر، نعوشٌ مرّت على البال أخرستْ ما تبقى من كلمات.

حوْقلاتُ الكبار تتناءى واهنةً؛ وعَرَقيتصبّب من جباه صامدة على الحواجزممزوجًا بحرقةِ طفولةٍ ممتهنةٍ ولقمةِعيشٍ وراءَ الخطّ الأخضر.

   نظر إلى أعضاء الوفود المرافقة له،فرأى الصور التذكارية تلقتطُها كاميرات من طراز كامب ديفيد. القناة العاشرة عجزتْ عن إجراء حوار معه، حتى بعد أنْطمأنتْه المراسلةُ الحسناءُ أنّها تتحدّثالعربية بطلاقة.

توقّف عن الكلام بأية لغة، فقط راح يردّد:

" لم يكن في يدي حربة 

أو سلاح قديم 

لم يكن غيرُ غيظي الذي يتشكّى الظمأ"

تراءت لهم إشارته أنه أبكم، ولم يكنْ ليقبلَ أن تأخذَه الحسناء والفخّ في دين عوفاديا. كان مألومًا من جسمه الذي نامبجوار التلفاز، ومن أطرافٍ انقبضتْ في سَبَحاتِ نومه المسافِر به. وما هي غيرُساعات الرحلة التي قطعها ألمُ النهوض،وتقلّبَ وجهُهُ على الوسادة ليكتشف أنّ يده كادت أنْ تذهب بعيدًا. 

استيقظ فجأة ُ فوجد صوت التلفاز قدخفّضه أحدُ أبنائه والشريطُ الخبريُّيحزُّ آخر الضحايا!

 شَعر بألمٍ في يده، تلك التي تنخرهاآلامُ أعصابٍ لا حدَّ لها، حرّك الكفّ اليمين، ضغط على الأصابع   ليجد ملمس الجِلد غريبا، تأكد أنه استفاق تماما، وبدأ عملية مساجٍ للكفّ التي امتدت لتصافح فأصابها تشنّجٌ أبقاها ثابتة. 

                                         


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي