: آخر تحديث

الابتكار والصناعة في العالم العربي

24
25
24

منذ فترة كنت قد عكفت على كتابة ملخص لموضوع الابتكار في العالم العربي وتأثير ذلك على التسليح والدفاع والامن القومي العربي والذي صار من الضروري منحه أهمية بالغة هذه الايام.

نبذة تأريخية،

كما يعلم الجميع فقد كانت كلا الحضارتين البابلية والمصرية من الحضارات الحاضنة للعلوم والتكنلوجيا في عصريهما، وكانتا سباقتين في الابتكار والحلول الخلاّقة في أغلب المجالات والتي تشمل المجالات العسكرية والطبية والاقتصادية والصناعية والزراعية والذي كان ما من شأنه ان يقوي المملكة ويحافظ على نشاط وصحة مواطنيها. أما أسباب السقوط فيما بعد فلن أدخل في تفاصيلها بل فقط سوف أقوم بالإشارة لها وقد كانت أهم أسباب السقوط هي عدم إستمرار الملوك اللاحقين في مملكة بابل ومصر  على نفس النهج الذي قوّى تلك الممالك حيث بدأوا بتغيير الخطط والعمل على الاستثمار في اتجاهات من شأنها اضعاف المملكة، وقد ذكر هذا كلا من روبنسون ودارون في كتابهما لماذا تفشل الامم.

ثم جاء الاسلام وجاءت معه المعرفة وحب التعلم والقراءة وكان النهج النهضوي الحداثي للدولة الاموية والعباسية وخاصة الدولة العباسية وبالتحديد ايام هارون الرشيد وابنه المأمون واللذان إذا عاشا في وقتنا هذا لتم اعتبارهما أشخاص علمانيين مسلمين ورواد في الحداثة، حيث دآبا كلاهما على التوسع في طلب العلوم الدنيوية رغم معارضة التيار الحنبلي المتشدد إنذاك والذي نجح في النهاية في اقناع المتوكل كي يقفل بيت الحكمة ويقيل العلماء والفلاسفة ليصبحوا في بيوتهم بلا عمل فأصبحت المملكة العباسية منكشفة علميا لأعدائها كما أصبح موضوع سقوطها أمرأ وشيكاً. هذه الاستنباطات ذكرها اكثر من مفكر غربي وعربي كما ذكر جون ستون صاحب كتاب الاستراتيجية العسكرية اهمية التقدم التقني في الحروب الحديثة.

البيئة الحاضنة للابتكار،

عند دراسة النظام السياسي في الكوريتين سوف يكون من الجلي رؤية أن النهج العلمي والاقتصادي لكوريا الجنوبية افضل منة بكثير من نظيرتها كوريا الشمالية، كذلك النهج الالماني الغربي في المقارنة مع الشرقي أبان الحرب الباردة، اضف الى ذلك مدينة نوغاليس في مقاطعة سانتا كروز، أريزونا  على الحدود الامريكية المكسيكية، والتي ذكرها روملت صاحب كتاب الاستراتيجية الجيدة والاستراتيجية الخاطئة. وذكر ايضا أن المشكلة لاتكمن في نوع البشر فهم أنفسهم ذوي أصول مكسيكية الا ان الجزء الامريكي من مدينة نوغاليس يتمتعون بدرجة اعلى من الرفاهية ونسبة اعلى في التعليم، اضف الى ذلك أن الفساد الاداري اقل بكثير مما هو عليه في الشطر المكسيكي. المسألة هي مسألة ثقافة مجتمع ودولة ولايوجد شخص او مجتمع يولد فاسد او صادق بل يتم تعليمه وحقن تلك المفاهيم به من خلال سيرة حياة قد تكون مليئة بالمشاهد والخبرات التي من شأنها ان تبني ذلك الانسان الذي يعتبر النواة في تقدم مجتمعه او فشله.

ولايفوتنا هنا أن نذكّر الرئيس السابق لدولة بيرو ألبرتو فوجيموري ذو الأصول اليابانية وكما هو معروف فأن اليابان تتمتع بأقل معدلات فساد في العالم الا أن ألبرتو فوجيموري بالإضافة إلى كونه رئيساً للبلاد إلا إنه كان ممتلكاً لعصابة متخصصه في إبتزاز وسائل الاعلام والطبقات المثقفة من اجل الحصول على نفوذ أوسع، وهذا ما تم كشفه وفضحه فيما بعد، وقد ذكر القصة روبنسون صاحب كتاب لماذا تفشل الامم.

كما نلاحظ وجود دول يتجلى بها النقاء والحكمة في الوطن العربي فتجد دولة مثل الامارات تتمتع بمستوى فساد بسيط جدا والوضع بها أفضل من فرنسا وبعض الدول الاوربية كما جاء وفق التقرير العالمي للفساد والذي منح دولة الامارات العربية المتحدة موقعاً رائدا في مكافحة الفساد يكاد يضاهي الدول الاوربية الغربية بل سبق الكثير منها، كذلك الحال في السعودية والتي تعتبر أيضا ذات مستوى فساد قليل مقارنة بباقي الدول العربية، ولايفوتنا ذكر ان العراق الذي انحدر منه يتصدر القائمة ولكن من الخلف بمعنى إنه إحدى أكثر البلدان فساداً في العالم حسب مؤشر الفساد العالمي لعام الفين وسبعة عشر.

فالسؤال هو مالذي فعلته الامارات والسعودية ولم يفعله العراق كي يحافظ على بيئته السياسية خالية من الفساد او ذات مستوى فساد قليل جدا!؟

ذكاء الانسان العربي،

لو قمنا بتصفح المجلات العلمية والنشرات العالمية لوجدناها تعج بأسماء باحثين من مصر والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها من الدول العربية تماما كما هو الحال وقت كانت بغداد مركزاً للعالم الثقافي والعلمي اذ كان الباحثون يأتون لها من كل حدب وصوب وكان بيت الحكمة مركزاً عالمياً للبحوث والدراسات ساعد الامبراطورية العربية الاسلامية العباسية أن تكون احد اقوى الامبراطوريات على مر التاريخ ولم يكن هناك امل لأي عدو امام المملكة العباسية سوى الجنوح للسلم لإنها كانت متفوقة عليهم جميعا علمياً، بالاضافة لكونها كانت تؤمن بالله بأعتدال ووسطية.

كانت تلك الحقبة من أكثر الحقب إشعاعاً ونوراً في التاريخ الاسلامي ويسميها الغرب "العصر الذهبي للأسلام"، كانت تطبق فيه الخلافة العباسية كافة سبل تطوير إمكانيات علمائها كي يكونوا شعلة متوهجة في عالم الابتكار فقد إتبعوا أحدث الطرق في دراسة الظواهر والعلوم الدنيوية والتي تكاد تكون نفسها هي التي أشار اليها جيفري داير في كتابه الشفرة الجينية للأبتكار، في معرض تعليقه على سبل تطوير المجتمعات وجعلها أكثر ابتكاراً. ولايفوتنا أن نذكر المهندسة المبتكرة الراحلة زها حديد تلك العراقية البغدادية التي تحدت كل شيء واصرت على النجاح واصبح ماقدمته للعالم هو علم هندسة معمارية جديد لم يسبقها اليه أحد من عباقرة العمارة الحديثة، وعلينا ان نفخر بما قدمته من جهة وأن ندرك جيداً كوننا نستطيع التقدم لنسبق غيرنا من جهة اخرى.

الاقتصاد والصناعة،

لذا على الدول العربية ان تستثمر في عقولها، وأن تجعل من جامعاتها توئماً سياميا للقطاع الخاص حتى تكون هناك حالة من التنمية والابتكار على طول العام الدراسي، تماما كما نفعل في اوربا إذ يقوم الطلاب بخدمة الشركات وتطويرها في اطاريح البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، إلا في الصناعات العسكرية والتقنية العالية فيدخل فيها التجسس الصناعي ولذلك تجد أن الشركات قد تحذو منحاً اخر بهذا المجال من أجل حماية مشاريعها التطويرية خشية القرصنة، بل ان أمريكا الان لايفصلها عن غيرها الا التقدم التقني العسكري، لان أمريكا قد إستطاعت فهم اللعبة جيدا وفي ذات الوقت نجد أن أمريكا قد وضعت ميزانية عسكرية تكاد تعادل العشرة دول التي تأتي بعدها في الترتيب مجتمعة ومن هذه الدول الصين وروسيا والهند وبريطانيا وفرنسا الخ.

لكن مع ذلك كله وكما ذكر الاقتصادي ساغاوا داتا في كتابه الاقتصاد، فأن على الدول عدم التسرع بصرف مبالغ نقدية مبالغ فيها والتي من شأنها التسبب بعجز في الميزانيات كما نراه اليوم في دولة أمريكا على سبيل المثال، وفي الطرف الاخر نجد أن السويد قد تمكنت من عمل موائمة بين مقدار المصروفات وبين ماتجنيه الدولة من الضرائب حتى أصبحت ميزانيتها من أفضل الميزانيات عقلانية وديونها من اقل الديون الموجودة، وفي نفس الوقت فأن السويد تقع في أعلى سلم الدول الأكثر إبتكارا في العالم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي