: آخر تحديث

أحرجتنا أيها الوزير المبجل

21
20
27

بعد وصول "مايكل بايتس" وزير الدولة للشؤون الدولية والتنمية إلى مجلس اللوردات متأخرا حوالي "خمس دقائق" عن الموعد، طلب أن يوجه كلمة وكانت عبارة عن اعتذار عن التأخر في الوصول، قائلًا: "تشرفت طيلة السنوات الخمس الماضية التي قضيتها في الحكومة،وبالرد على أسئلة اللوردات والنواب في المجلسين، لكني اليوم وبسبب التأخير اشعر بغاية الخجل والأسف، ولأكفر عن ذنبي، أطلب منكم الصفح، وسأتقدم اليوم باستقالتي إلى رئيسة الحكومة، على أن تسري بشكل فوري". وجمع أوراقه وملفاته وغادر القاعة وسط ذهول الحاضرين الذين طالبوه بالعدول عن هذا القرار. الوزير اعتبر الوصول متأخرا على انه سلوك يدل على قلة الاحترام، حيث كان من المفترض ان يكون حاضرا للاستماع إلى أسئلة النوابوالرد عليهم، ومن أهمهم سؤال للبارونة "روث ليستر"، ما اضطر رئيس كتلة المحافظين في مجلس اللوردات البارون "جون تايلور"، للرد على أسئلة زميلته البارونة نيابة عنه.

تعد فكرة استقالة المسئولين في الدول الديمقراطية الحقيقية تعبيرا عن الاحساس بالمسئولية السياسية والمعنوية عن الأخطاء التيترتكب ولو بغير قصد، أو التقصير في معالجة بعض الملفات ذات الأهمية. الاستقالة الطوعية من أهم سمات الديمقراطية، وقد ترسخ هذا السلوك منذ عقود من الزمن بحيث أصبح ثقافة شائعة في هذه المجتمعات، وذلك انطلاقا من التعريف البسيط لمفهوم المسئولية بأنها التزام بإنجاز العمل طبقا للمعايير المتفق عليها. كما يعني هذا ضمنا إقرار الوزير المختص بأنه ملزم بعواقب الأمور التي تقع في نطاق اختصاصه ومسؤولياته، حتى لو لم يكن مسئولا عنها بشكل مباشر. ومن ثم، فإن الاستقالة هنا لا تعني بالضرورة الفشل أو التقصير أو ارتكاب الأخطاء، بقدر ما تعني شجاعة المسؤول في تحمل تبعات قرارات قد تؤثر بالسلب ليس فقط على مسؤوليتهالسياسية، ولكن على صورة الحكومة ككل، والذي هو عضوا فيها. 

في اليابان تعد استقالة كبار المسؤولين السياسيين من سمات الحياة السياسية العادية، بل يمكن القول إنها أصبحت عرفا ملزما يقضي بأنه إذا انخفضت شعبية رئيس الوزراء لأي سبب فلابد أن يستقيل انطلاقا من مسئوليته الشخصية عن هذا التراجع.

في دولنا العربية، كثيرا ما يتغيب النواب عن حضور جلسات المجلس لأسباب واهية ومختلقة، وفي بعض الدول يغادر بعض النواب المجلس مباشرة بعد التوقف لأداء صلاة الظهر (أي بعد حوالي ساعتين فقط من حضورهم)، والبعض يغيب عن الجلسات التي تناقش فيها القضايا الحساسة وخصوصا تلك الجلسات المخصصة لمساءلة الوزراء، او مناقشة الأمور المتعلقة بإهمال او تقصير بعض الوزارات، حتى لا يفقدون حظوتهم لدى هؤلاء الوزراء الذين يقدمون لهم خدمات شخصية خاصة. مساءلة الوزراء والمسؤولين في العالم العربي تعتبر من الترف السياسي، ومن النادر ان يُستجوب الوزراء، وان حدث فهو شكلي لذر الرماد في العيون. كما ان أعضاء البرلمان في أكثر الدول العربية يرتبطون بعلاقات شخصية مع الوزراء من اجل تسيير مصالحهم.

في بعض الدول العربية حديثة العهد بالانتخابات البرلمانية، يصل الى البرلمان عن طريق الصدفة بعض الأشخاص الحفاة العراة (أي الذين يفتقرون الى المؤهلات العلمية او الفكرية والثقافية وحتى المالية)، وبعد أربع سنوات يصبحون من رجال الاعمال والنخبة في المجتمع.  

في شهر يونيو من العام 2016م، استقال "ديفيد كاميرون" من رئاسة الوزراء بعد ان صوتت اغلبية الشعب البريطاني لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، بينما كان هو من أنصار البقاء، وكانت استقالته تعبيرا عن احترامه لإرادة الشعب البريطاني. وفي ديسمبر من العام الماضي وفي غمرة فضائح التحرش الجنسي، استقال او أُقيل سكرتير الدولة الأول في الحكومة البريطانية "داميان غرين" أحد أقرب حلفاء رئيسة الوزراء "تيريزا ماي" من منصبه في مجلس الوزراء بعد ان أكد التحقيق انه خرق القانون الوزاري البريطاني. شكرا سيد "مايكل بايتس"، (سواء قبلت استقالتك او لم تُقبل)، لقد احرجتنا أيها الوزير المبجل بهذا السلوك الحضاري.   

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي