: آخر تحديث

بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. الأمور تُحسم اليوم

34
46
33

 يثير الاستفتاء اليوم على بقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد الاوروبي، مخاوف كبيرة، وجدلاً متصاعداً يمتد إلى مختلف أنحاء العالم، لما يحمله قرار البريطانيين من انعكاسات سياسية واقتصادية، فيما يؤكد مسؤولون بريطانيون أن تجربة الاتحاد الأوروبي ليست ناجحة، وأن الاتحاد لم يعد قادراً على أداء مهامه، وأن الاقتصاد هو القضية الرئيسية وليس الأمن، ويشير هؤلاء إلى ما يصفونه مقاومة للمشروع الأوروبي تتصاعد في أنحاء القارة الأوروبية، ويطالب هؤلاء ومنهم متنفذون في حزب المحافظين بالتعاون مع الجيران بالتوافق وليس بالتصويت والأغلبية، ولا أن تعمل الحكومات المستقلة ضمن مفوضية، باعتبار أن ذلك ليس من الديمقراطية، ويسخرون من التحذيرات بشأن كارثة اقتصادية مُنتظرة، ويؤكدون أن العضو الدائم في مجلس الأمن وخامس أكبر اقتصاد في العالم، وصاحب واحد من أكفأ الجيوش في العالم، يستحق الاستمرار في البقاء دولة مستقلة، ويروج هؤلاء أن المستثمرين يفضلون الاستقرار والجوانب اليقينية وعدم وجود شك، وأنه في حال البقاء ضمن الاتحاد فلن يكون هناك أي تعويم أو فقدان قيمة للباوند الاسترليني، ويقللون من المخاطر الاقتصادية إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد.

 

المناهضون: الانسحاب خيار آمن

قبل الاستفتاء انطلقت حملة مناهضة للاستمرار في عضوية الاتحاد، تؤكد أن الانسحاب هو الخيار الآمن، لكي تستعيد بريطانيا ديمقراطيتها وتحمي اقتصادها وحدوده، وأن مواطنيها أحق بمبلغ 350 مليون جنيه إسترليني، علماً بأن بريطانيا تدفع سنوياً 47 مليار دولار تكاليف عضويتها في الاتحاد، لكنها مقابل ذلك ترتبط بعلاقات اقتصاد عميقة الجذور مع أكبر سوق في العالم، وإذا كان حجم الاقتصاد البريطاني يمثل سدس الاقتصادات الأوروبية مجتمعة، وأن 47% من صادرات بريطانيا موجهة للاتحاد الأوروبي، فإن هناك ثلاثة ملايين وظيفة مرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بهذه العضوية، بينما يزيد حجم الاستثمار الأوروبي المباشر في بريطانيا عن 700 مليار دولار، ويعادل ذلك نحو 50% من إجمالي الاستثمارات، فيما يدافع الراغبون في الاستمرار أعضاء في الاتحاد، بالقول إن ما يجري حول العالم لا يمكن أن معالجته بشكل منفرد، مثل الجرائم العابرة للحدود والإرهاب وقلة الاحترام للحدود التقليدية وتغيرات المناخ، ويؤكدون أن الاتحاد الأوروبي قوة رائعة، وبعيداً عن السياسة، فحين يشحن شخص بضاعته من بريطانيا، فإنها تصل إلى أي ميناء أوروبي في اليوم التالي بفضل هذه العضوية.

 

العالم يُحذر من تداعيات الانفصال

من خارج حدود المملكة المتحدة انطلقت التحذيرات، حيث حذّر صندوق النقد الدولي بريطانيا من احتمالية الدخول في حالة ركود اقتصادي، إذا اختار مواطنوها الخروج من الاتحاد، وأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان بريطانيا 5.6 في المئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2019، كما حذر وزير الخارجية الألماني من مخاطر تفكك الاتحاد الأوروبي في حال خروج بريطانيا منه، كما أن وزير الخارجية الفرنسي أكد أن خروج بريطانيا سيحولها الى بلد ثالث وذلك ما شدد عليه رئيس المفوضية الأوروبية، في حين أكد الرئيس الأمريكي أن بريطانيا تتفوق حين تساهم في قيادة أوروبا قوية، وأن بلاده تريد بريطانيا قوية شريكة لها، وأن انسحابها سيحد من قوتها ويضر بفرص الاتفاقات التجارية المشتركة، وأن قدرة بريطانيا على محاربة الإرهاب ستكون أكثر فاعلية إذا بقيت مع حلفائها الأوروبيين، وفي حين أدلى عدد كبير من قادة العالم برأيهم، و عبروا عن تأييدهم لبقاء بريطانيا ضمن الاتحاد، فإن موسكو التزمت الصمت ولم تقدم أي تصريح رسمي بهذا الشأن، ويتكهن رئيس الوزراء البريطاني بأنه بعكس جميع من التقاهم من قادة العالم، فإن بوتين قد يكون سعيداً إن غادرت بريطانيا الاتحاد.

 

بريطانيون كثيرون ضد الاتحاد

معروف أنه منذ نشوء الإتحاد الأوروبي لعبت بريطانيا دور المتمرد الأكبر على أصوله وقوانينه وصيرورته، وعزف كثير من ساستها على وتري السيادة والهجرة، فهي دولة جاذبة للهجرة من داخل وخارج أوروبا، وتحاول حماية مواطنيها من المنافسة الخارجية غير العادلة، بسبب توفر العمالة الأجنبية، خصوصاً من دول أوروبا الشرقية التي تضيّق الخناق على العامل البريطاني، وتحجّم أو تقلل من فرص إيجاده للعمل، وفي المقابل يرى السياسيون المؤيدون لبقاء بريطانيا في الإتحاد، المخاطر التي ستحيق ببلهم إن لم تكن عضواً في الإتحاد، وأهمها العزلة الإقتصادية التي ستصيبها، ويعتمدون في ذلك على دراسات اقتصادية، بينت بأنه سيحصل إنكماش إقتصادي حاد في الناتج الإقتصادي المحلي الإجمالي، تتراوح نسبته بين 6 الى 9.5 %، والمؤكد أن التجارة البريطانية ستتضرر حال خروج بريطانيا من أوروبا، نتيجة تلكؤ صادراتها الى أوروبا والتي تضاهي حجم صادراتها الى باقي دول العالم، ومن جهة أخرى سيفقد الكثيرون من البريطانيين وظائفهم وأعمالهم، التي تتعلق بشكل مباشر بكون بريطانيا عضوا في الإتحاد الأوروبي، وفوق هذا وذاك فأن الكثير من المستثمرين الأجانب والشركات الأجنبية والمؤسسات المالية، قد تغادر بريطانيا إن إنسحبت من عضويتها في الإتحاد الأوروبي، كما أن الحركات الإنفصالية في أسكوتلندا وإيرلندا الشمالية ستتفعّل، حال تخلّي بريطانيا عن عضويتها.

 

حرص أوروبي على بقاء بريطانيا

حرص الأوروبيون على أن تبقى بريطانيا عضواً فاعلاً في الإتحاد، فقدموا الكثير من التنازلات والإستثناءات للبريطانيين، فقد إستثنيت بريطانيا من الإنضمام إلى منطقة اليورو، واحتفظت بعملتها الوطنية، وبقيت خارج منطقة "الشينغين" حفاظا عليها من نزوح الأجانب غير الأوروبيين، غير أن كل هذه التنازلات لم تقنع المعارضين، وظل السجال قائماً بينهم وبين مؤيدي البقاء ضمن الاتحاد، ما دفع كاميرون إلى اللجوء للاستفتاء لتتبين كفة من سترجح على الأخرى، وقبل ذلك تقدم بسلسلة مطالب وإصلاحات إلى البرلمان الأوروبي والساسة الأوروبيين، تتركز أساساً على مسألة السيادة وقوانين الهجرة، وأهمها استثناء بريطانيا من الانضمام إلى أي تقارب سياسي وثيق، يحصل بين دول الإتحاد مستقبلاً، كإنشاء دولة "أوروبا الكبرى" كي لا تذوب بريطانيا في هذا الكيان الجديد، وأن لا يكون اليورو العملة الأوروبية الرسميّة الوحيدة، وأن لا تسيطر أو تهيمن دول منطقة اليورو على عملات الدول التسع الأخرى غير المنضمة الى منطقة اليورو، على أن تصدر أوروبا قوانين وتحديدات لعملية هجرة المواطنين القادمين من الدول الجديدة المنضوية الى عضوية الإتحاد الأوروبي، وأن تتقلص المدفوعات الخاصة بالرعاية الإجتماعية للمهاجرين، وأن تتحرر بريطانيا من بعض القوانين والإلتزامات الأوروبية، التي تخص أنظمة الضرائب والصرافة والأمن الوطني والمحاكم وتأشيرات الدخول وغيرها.

 

موقف واشنطن المهم من حليفها التاريخي

موقف واشنطن يبدو شديد الأهمية، حيث تنظر بإيجابية إلى الدور البريطاني في أوروبا، وتعتبرها شريكاً ودولة صديقة يمكن الاعتماد عليها غالباً لدعم مواقف تتفق مع مصالح أميركا في بروكسل، صحيح أن العلاقة الخاصة بين البلدين تراجعت في السنوات الأخيرة، مع رفض لندن دعم التدخل العسكري في سوريا، وباتت في موضع الدولة التي لا يمكن الاعتماد عليها، وسوف يتصاعد هذا الواقع إذا اتخذت بريطانيا خطوة تُهمّش دورها في القارة العجوز، ولن يؤدي خروجها من الاتحاد الأوروبي إلى أي شيء آخر غير مملكة متحدة أكثر ضيقاً وأقل تأثيراً، وسيتعزز النفوذ الألماني وبما يؤجج مشاعر الاستياء من هيمنة ألمانيا، وسيكون الاتحاد الأوروبي أقل استعداداً وقدرة على العمل ككيان على الساحة العالمية، ما يضعف أوروبا في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى اتحاد أوروبي أقوى، وقد يؤدي ذلك إلى استخدام الأميركيين الداعين إلى خفض دور بلادهم في العالم، دليلاً على أن الحلفاء التقليديين لم يتحملوا نصيبهم من المسؤولية، وأن الولايات المتحدة التي تواجه عجزاً متزايداً واحتياجات محلية ضخمة، لا ينبغي أن تعوض هذا الفارق.

القرار البريطاني يتزامن مع صعوبات أوروبية

القرار البريطاني حول العلاقة مع الاتحاد الأوروبي يأتي في واقع سيئ، حيث تواجه أوروبا صعوبات مالية ونمواً اقتصادياً هزيلاً، وتتدفق إليها أعداد هائلة من المهاجرين واللاجئين، وتتعقد العلاقات مع موسكو، وتبرز مجدداً أزمات منطقة الشرق الأوسط والتغير المناخي والإرهاب، بينما ينتظر العالم انتخاب رئيس أميركي جديد، لن يكون مرتاحاً بأن يكون أقرب شركاء بلاده قد تغير جذرياً، وهذا ما سيحدث إذا أصبح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أمراً واقعاً، خصوصاً وأن الاتحاد الأوروبي يتفاوض منذ فترة مع الولايات المتحدة، لإنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، والتي من شأنها ان تكون مفيدة لكل دول الاتحاد الأوروبي، والقرار اليوم بيد المواطن البريطاني الذي سيدلي بصوته في البقاء أو الخروج من أوروبا، مُتحملاً مسؤولية حسن الاختيار والى أي صوب سيتجه، فالمسار صعب وخطير وقد يؤدي إلى نتائج كارثية إن أساء الاختيار، وإذ يتوقع البعض بأن الفارق قد لا يكون كبيراً بين المناصرين والمناهضين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، حيث يُحتمل تردد الكثيرين في خيارهم الصعب، فإما الانسحاب من هذه المسيرة، وركوب مركب آخر غامض الملامح، ولا يعرفون ما ينتظرهم فيه، وإما البقاء مع الركب الأوروبي رغم ما فيه من صعوبات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي