: آخر تحديث

كلنا "سعاد ثابت"

48
59
51

 (سعاد ثابت)، سيدة مسنة قبطية مسيحية مصرية، تم تعريتها بالكامل من لباسها من قبل ابناء قريتها المسلمين وطافوا بها في شوارع القرية، لمجرد شائعة كاذبة. جريمة شنعاء، هزت الضمير الانساني لدى الشعوب الحرة. وثقها الأنبا مكاريوس (مطران الأقباط الأرثوذكس بالمنيا وأبو قرقاص) في بيان أصدره، جاء فيه: "بدأت الأحداث المؤسفة في قرية الكرم – مركز أبو قرقاص، بعد شائعة عن علاقة بين مسيحي ومسلمة، وقد تعرض المسيحي أشرف عبده عطية للتهديد، ما دفعه لترك القرية، بينما قام والد ووالدة المذكور يوم الخميس ١٩ مايو بعمل محضر بمركز شرطة أبوقرقاص، يبلغان فيه بتلقيهما تهديدات، وبأنه من المتوقع أن تنفذ تلك التهديدات في اليوم التالي. وبالفعل خرجت مجموعة من ٣٠٠ شخص في الثامنة من مساء يوم الجمعة ٢٠ مايو ٢٠١٦ تحمل أسلحة متنوعة، فحرقت ٧ منازل للأقباط. كما قامت بتجريد سيدة، سعاد ثلبت 70 سنة، مسيحية مسنة من ثيابها، والتشهير بها أمام حشد كبير في الشارع ". 

محطات ووقائع عديدة، سياسية ودينية واجتماعية، يجب التوقف عندها، لكي ندرك ونفهم المنظومة الفكرية والبيئة الثقافية والاجتماعية والقانونية، التي جرت فيها أحداث قرية الكرم وغيرها من الاعتداءات الطائفية على اقباط مصر. 
- الأقباط الفراعنة، أقدم الشعوب المصرية. رغم تعدادهم الذي يقارب ( 10) مليون، يعانون من سياسات وقوانين التمييز الديني والعرقي والثقافي، تمارسها بحقهم الحكومات المصرية ، كذلك يعانون من " ظلم مجتمعي" تمارسه الغالبية الاسلامية.
- الاعتداءات الطائفية على أقباط مصر ليست حوادث فردية عابرة، إنما هي افعال ممنهجة ومنظمة، يقوم بها متشددون اسلاميون، بتواطؤ واضح من سلطات الدولة المصرية. 
- المادة 2من الدستور المصري تنص: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
- مازالت الدولة المصرية تتعاطى مع الحقوق الدينية للأقباط المسيحيين وفق الخط أو القانون "الهمايونى" الذي يعود الى 1856، زمن الاستعمار العثماني. هذا القانون العنصري يمنع بناء كنائس جديدة ولا يسمح بترميم القائم منها في مصر.
- إقفال عشرات الكنائس "لدواعي الأمن"، استجابة لضغوط ونفوذ الاسلاميين المتشددين.
- في نيسان 2011- بداية عهد "الثورة"- رضخت السلطات المصرية لمحتجين اعترضوا على تعيين محافظ مسيحي لمحافظة(قنا) ،إذ قامت بتبديله بمحافظ مسلم .
- شيخ الأزهر ( أحمد الطيب) يرفض تكفير تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) رغم جرائمه المروعة بحق المدنيين الأبرياء من جميع الأديان والأقوام، معللاً ذلك" لا يجوز تكفير المسلم إذا نطق بالشهادتين". 
- التيارات الاسلامية، في مقدمتهم جماعة الإخوان، يرفعون في الانتخابات شعار" الاسلام هو الحل".
- مئات خطباء المساجد في مختلف المدن المصرية يزدرون الديانة المسيحية واليهودية، حيث ينعتون المسيحيين واليهود بالكفار والملحدين،علناً وعبر مكبرات الصوت دون أن تحرك السلطات المصرية ساكناً.
- تخلي القضاء عن مهمته ودوره في ملاحقة ومعاقبة الجناة والمحرضين على الاعتداءات الطائفية وإحالة ملف التعديات الطائفية الى اللجان والمجالس الأهلية لتقوم ب"مصالحات عرفية" - تبويس الذقون- حيث يرضخ فيها الطرف القبطي الأضعف لاذعان وشروط الطرف المسلم الأقوى ويترك الجناة أحرار من غير عقاب وتضيع حقوق الضحايا. 
- اتسام مناهج التعليم والتربية وكثير من وسائل الاعلام في مصر بالعنصرية والطائفية المقيتة. 
عن هذه البيئة الاسلامية الظلامية المحرضة على العنف الطائفي والعنصرية، كتب (سعيد شعيب – كاتب مصري) مقالاً جريئاً بعنوان " أنا مسلم وأكره المسيحيين" – نشر في جريدة (جود نيوز الكندية) – جاء فيه " نعم، فكراهيتهم واجب ديني اسلامي، واحتقارهم ضرورة، فهم ليسوا من طينة البشر، إما أن تهجرهم خارج بلاد المسلمين أو يقتلوا ، واذا كنت مسلماً كريماً فتتركهم يعيشون ، لكن مذلولين مهانيين يدفعون الجزية وهم صاغرين . هذا بوضوح جزء اساسي من الثقافة الدينية الإسلامية. لذلك ارجو ألا نقع في فخ أن ما حدث في المنيا ومن قبلها ومن بعدها سيحدث في اماكن اخرى، بسبب السلفيين المتزمتين المتشديين أو الوهابية السعودية. فهو نتاج طبيعي لما تعلمته انا كمسلم وعشته طوال حياتي: في المسجد، المدرسة، الجمعية الشرعية، البرامج الدينية في الإعلام الرسمي وغير الرسمي . لقد تعلمنا أن الطريق الى الجنة يتطلب منا، طبقاً لما أمرنا الله سبحانه وتعالى، أن نكره ونهين ونؤذي ونقتل لو امكن...". إزاء هكذا بيئة ملوثة بكل اشكال وصنوف العنصرية والتعصب، ما حصل للسيدة (سعاد ثابت)، ليس بجديد ولا بمستغرب، رغم قساوة المشهد. لكن أن يحصل هذا في زمن ما يسمى بـ"  ثورة 25 يناير 30 يونيو" ،يترك إشارات استفهام وشكوك كثيرة حول طبيعة وأهداف ثورة مصر وبقية الثورات التي شهدتها الدول التي طالها ما سمي بـ" الربيع السياسي العربي" . لهذا، ما جرى لـ"سعاد ثابت"، قد يحصل ويتكرر في جميع الدول العربية والاسلامية، لأن وضع مسيحيي هذه الدول لا يختلف كثيراً عن وضع أقباط مصر. فرحة وانتشاء مسلمي قرية الكرم، بتعريتهم لجارتهم المسنة (سعاد ثابت) وسحلها وحرقهم لمنازل أقباط قريتهم ونهبها تحت رايات التكبير الاسلامي بعد صلاة الجمعة لمجرد شائعة كاذبة من زوج مسلم بحق زوجته المسلمة حول علاقتها مع رجل مسيحي بهدف التخلص منها وصمت الحكومات والشعوب العربية والاسلامية عن هكذا جرائم شنيعة منافية للأخلاق والأعراف والشرائع السماوية والأرضية، تؤكد على أن "تنظيم الدولة الاسلامية – داعش"، بفكره وسلوكه وعقيدته ومنهجه في الحياة، موجود ومتجذر في المجتمع الاسلامي المصري وفي بقية المجتمعات الاسلامية في المنطقة والعالم. تضامناً مع (سعاد ثابت) كتبت الكاتبة والمحامية السورية (نادية خلوف) على صفحتها:" أرى في تلك السّيدة المصرية عندما عرّوها وسحبوها في الشوارع نفسي ، لا أخجل من العريّ بل أخجل من العروبة، والدّين ، والوطن، والنضال، والحريّة، والديموقراطية. يليق بنا الهمجية" .
سليمان يوسف يوسف..  باحث سوري مهتم بقضايا الاقليات
shuosin@gmail.com
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي