: آخر تحديث

عندما دعت "روزا" المغاربة إلى طرد جوقة "الفرنسيين الانتهازيين"

2
1
2
مواضيع ذات صلة

سبريس - نـ. إكجان | عـ. الشامخ

 لكل حاضر متأزم أو مجيد ماض يسترعي التحليل، وعلى اختلاف أنماطها، تبقى الكتابات الماركسية علامة فاصلة في تاريخ المغرب الراهن، فالباحث في الماضي القريب للمملكة يجد آثار وأفكار ماركس أو فريديريك إنجلز أو روزا لوكسمبورغ، وغيرهم من المؤسسين للمادية التاريخية والجدلية، حاضرة بقوة على مستوى منهج التحليل والبناء لدى العديد من المثقفين المغاربة، الذين استهوتهم أحلام "المطرقة والمنجل" في سياقات معينة.

هسبريس تنقل إليكم المغرب كما رآه ماركس وإنجلز وروزا وستالين وغيرهم من المثقفين الماركسيين، على شاكلة سلسلة تتوقف في كل حلقة لتروي أوضاعا استقوها من خلال مراسلات صحافية لجرائد بورجوازية أو عمالية، أو اشتغلوا عليها في إطار البحث عن توحيد بلدان العالم الثالث في أفق تأسيس أممية اشتراكية تدك تناقض الطبقات الرأسمالية، وتنقل العالم إلى "أنوارهم الشيوعية".

الجزء 3: روزا لكسمبورغ

استرعى المغرب انتباه المفكرة الألمانية روزا لكسمبورغ طوال فترة بروز الصراعات الإمبريالية بين الدول الرأسمالية، حيث تناولت أوضاعه وأطماع فرنسا وألمانيا لاستعماره سنة 1911 في عدة مقالات، عنونتها بـ"آن موروكو" و"دي ماروكوكريز"، و"ان دير بارتفرستانا"، و"انسر موروكو فلكبات"، وسجلت فيها تورط أربعة دول في استعمار المغرب، ويتعلق الأمر ببريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا.

وأشارت روزا إلى أن المغرب شكل محط صراع حقيقي بين هذه البلدان، ومن أجل تجاوز الخلافات التي نشبت حوله طرح السفير الفرنسي كامبون على كاتب الدولة الألماني كليدرلن وشتر، تسليمه دولتي الطوغو وتاهيتي، مقابل السماح بدخول المغرب، خصوصا في ظل تعقد الأمور وإرسال الألمان لبارجة حربية في يوليوز 1911 صوب ميناء أكادير، للتأكيد على استحالة التنازل عن المغرب دون حرب أو مقابل.

تلبد سماء العالم الرأسمالي سيدفع الدميتين كامبون ووتشر، كما وصفتهما روزا، إلى جعل مصير الشعوب مثل المساومة حول البصل واللحم في الأسواق، وهو ما سيدفعها إلى التنبيه إلى كون الاهتمام الألماني بالمغرب مغامرة غير محسوبة العواقب، وذلك بعد ميول التنظيمات الليبرالية الألمانية لتبرير الأمر والدفاع عن دخول المغرب واستخدام السلاح في ذلك، مطالبة باعتبار قرار الاستعمار يهم 64 مليون ألماني، وليس قرار حاكم واحد.

ولم تخف روزا أن ألمانيا ستسقط ضحية السياسة العالمية التي ستزج بها في حرب دموية، محملة الملكية في ألمانيا كامل المسؤولية عن المغامرة المغربية، بعد تذرعها بحماية مصالح الشعب في حين إنها ليست سوى حام لمصالح الرأسمالية الكبرى، كما تتحمل كل القوى الليبرالية والقوات العسكرية والبحرية مسؤولية ما سيقع بعد مراكمتها لكمية سلاح غير معقول.

وأشارت لكسمبورغ إلى أن النزاع في ذلك الوقت حول المغرب لا يمكن تفسيره سوى بمحاولة للاستحواذ على الرأس الشمالي الغربي للقارة الافريقية وابتلاع الرأسمالية له، متنبئة بأن إدخال نمط اقتصادي جديد إلى قبائل الرعاة وقرى الصيادين المغاربة المعزولين عن العالم، سيكون منذرا بانهيار الرأسمالية، حيث ستلتهب الثورة كما حصل في بلاد فارس وتركيا والمكسيك وتاهيتي، وكذا في البرتغال وإسبانيا.

ووصفت روزا مساعي الرأسماليين لاستعمار المغرب بالتمظهر الجزئي للاستعمار، ناصحة الألمان بالابتعاد عن سياسة السفير الفرنسي بسمارك، فقبل التداول معه في الأمور الجيو-استراتيجية لم تكن الدولة الألمانية مهتمة بالمغرب إلا قليلا مقارنة مع العديد من المناطق الأخرى، مشددة على أن تواصل الأمر بهذا الشكل سيؤدي إلى صدام مع الفرنسيين، بعد أن كانت العلاقات متينة في بدايات القرن 20.

وجرت الأطماع الألمانية احتياط الجارة البريطانية كذلك، حيث تخوف الإنجليز من دخول الألمان للمغرب وتفكيرهم مستقبلا في احتلال جبل طارق، بحكم أنه ملتقى بحري عالمي، لكن روزا تعود لتوضح أن الصراع يكتنز جوانب خفية مرتبطة بما هو اقتصادي، فقد عبرت شركتا "كانتا مانيسمان" و"كراب شنيادر"، وهما خليطان من المقاولين الإسبان والفرنسين والألمان، لدخول المغرب بعد تردد السلطان في رد قرض مالي منحتاه إياه مقابل امتيازات معدنية.

وستنتهي الأزمة، حسب روزا، بقبول ألمانيا بالكونغو عوض المغرب، وذلك ما يوضح أن الأمر طمع وشراهة لا غير، خصوصا في ظل التخوف الكبير الذي أبان عنه الفرنسيون من دخول الألمان إلى المغرب، وبالتالي تحول الصراع إلى ألماني مغربي ضد فرنسا.

سحابة من العواصف الإمبريالية تنتهي بالمغرب

مع بداية القرن العشرين، ارتفعت سحابة كبيرة مُحملة بالعواصف الإمبريالية في العالم الرأسمالي، التي اختلقتها أربع قوى أوروبية تقليدية كبرى هي فرنسا وألمانيا وانجلترا وإسبانيا، وكان الهدف آنذاك البحث عن منافذ جديدة في إفريقيا والتوسع أكثر صوبَ الجنوب الذي كان دائم الحضور في مِخيال الأوروبيين.

ازدادت المخاوف أكثر بعدما استرعى المغرب اهتمام هذه القوى التقليدية التي رأت فيه بنية "متخبطة في التقليدانية والعشوائية" يسهلُ اختراقها، وبالتالي احتواؤها من الداخل، وقد تساءلت روزا مع بداية هذا الاهتمام المتزايد بالمغرب ما إذا كانت هذه السحابة العاصفة ستخلقُ وميضاً لحرب قاتلة أم إنها ستتلاشى وستأخذ شكل "مساومة" سلمية.

وتسردُ روزا في مقالها الموسوم بـ"المغرب"، الصَّادر في 11 غشت 1911، أن "اختراق المغرب كان يثيرُ قلق الآلاف من الناس؛ إذ لم يكن جلياً كيف سيكون شكلُ هذا الاختراق وما إذا كان سيُلاقي مقاومة شرسة من طرف السكان المحليين"، ولإيجاد إجابة على هذا السؤال، تقول روزا في مذكراتها: "كانت الأنظار المليئة بالقلق تتجه إلى الباب المغلق لغرفة يجتمع فيها رجلان سويا: السفير الفرنسي كامبون، ووزير الخارجية الألماني كيلديرلين ووتشر".

ومع ذلك، تعترفُ الكاتبة الماركسية بأن "اثنين من رجال الدولة (الفرنسي والألماني) لا يملكان قوة خاصة بهما، وإنما الأمر يتعلق بدُمى ورقية رديئة تتحكم فيها زمرة صغيرة من الرأسماليين الكبار الذين يخيطون مفاصلَ الحرب والسلام، وهذا ما كان، المغرب في مقابل الكونغو أو توغو، كانت هذه من بين الأسئلة التي تعترضُ ذهنَ الآلاف من الناس، الذين ينتظرون بفارغ الصبر القرار مثل قطعان الأغنام التي توقدُ صوبَ المسالخ".

وتصف روزا الوضع بأنه شبيه بصورة "وحشية مقززة وقاسية تمثلها هذه الحركة الرأسمالية الامبريالية الدنيئة، وأن السخط الأخلاقي كان بمثابة القاعدة والسلاح الذي كان يمكن للمرء أن يأخذ به تقلبات السياسة الرأسمالية العالمية.

وتعودُ روزا إلى "التجاذبات السياسية التي كانت تعرفها انجلترا وفرنسا وألمانيا قُبيل اختراق المغرب، فقد أعرب رجالات الدولة والبرلمانيون الفرنسيون على ضرورة خفض النفقات المُخصصة للجيش والسلطة العسكرية، وفي ألمانيا انضمت الجوقة الليبرالية بحماس إلى الأصوات الداعية إلى إقرار السلام في العالم، لكن اليوم يقوم رجالات الدولة والبرلمانيون أنفسهم بالتسخين لمغامرة سياسية استعمارية تقود الشعوب إلى شفا حرب عالمية".

الجوقة الليبيرالية

كانت الجوقة الليبرالية في ألمانيا أيضاً متحمسة لهذه المغامرة العظيمة كما كانت تدفعُ بخيار الحرب إلى الواجهة، وتقفُ روزا عند هذا التغيير المفاجئ في المشهد مرة أخرى موردة أن "المقترحات الخاصة بنزع السلاح ومظاهرات السلام في العالم الرأسمالي ليست شيئًا ولا يمكن أن تكون أي شيء آخر غير الإعداد الجيد للكوميديا السياسية"، مشيرة إلى أن الأمل في أي شيء يميل إلى السلام في المجتمع الرأسمالي هو أن تكون البروليتاريا ماسكة للسلطة.

وتسترسلُ المؤلفة الماركسية الألمانية قائلة إن "المسألة المغربية تعبر بوضوح عن العلاقة الحميمة بين السياسة العالمية والوضع المحلي في البلاد، حيث إنها كانت كافية لتدفع ألمانيا إلى الدخول في حرب دموية حفاظاً على مصالحها الحيوية، في المقابل، يصرُّ "العدو" الرأسمالي على التهام كل أجزاء العالم واختراق العلاقات البدائية بين القبائل الرعوية والقرى المعزولة في المغرب"، مقرة بأنَّ "المغامرة المغربية في نهاية المطاف، ستكونُ مثل كل حلقة من السياسة العالمية، خطوة نحو الانهيار الرأسمالي الشامل".

وتختمُ روزا مقالها قائلة إن "الدرس المتوخى من المسألة المغربية هو أنه لا يتم استدعاء البروليتاريا، بوعيها الطبقي، للنظر بشكل موضوعي في انهيار نظام المجتمع البرجوازي، حيث إن الإدراك الواعي للمعنى الخفي للسياسة الدولية وعواقبه ليس فلسفة مجردة للطبقة العاملة، بل هو الأساس الفكري لسياسة ديناميكية.

سخط أخلاقي

من المؤكد أن السخط الأخلاقي ليس في حد ذاته سلاحًا ضد الاقتصاد الإجرامي للرأسمالية، تضيفُ روزا، ولكنه، كما يقول إنجلز، يمثل عرضًا حقيقيًا يعكس التناقض بين المجتمع الحاكم، ومشاعر العدالة ومصالح الجماهير، مضيفة أن "مهمة وواجب الديمقراطية الاجتماعية هي التعبير الآن بأكبر قدر ممكن من الوضوح عن هذا التناقض. ليس فقط عبر الطليعة المنظمة البروليتاريا، بل يجب أن تنبثق الطبقات العريضة للشعب العامل في سيل من الاحتجاج ضد الغارة الجديدة للسياسة الدولية الرأسمالية".

والطريقة الوحيدة الفعالة التي تقترحها روزا لمكافحة جرائم الحرب والسياسة الاستعمارية هي النضج الفكري والإرادة الحازمة للطبقة العاملة، التي من خلال تمردها على جميع المستغلين والمسيطرين، ستغير موازين القوى العالمية وستصبُّ في مصلحتها، عوض مصلحة الرأسمال، من أجل سلام عالمي والتآخي الاشتراكي بين الشعوب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد