: آخر تحديث

حرب المخابرات العالمية  

7
5
6
مواضيع ذات صلة

  حسين شبكشي

 

منذ صدور الفيلم الإسرائيلي «الملاك» الذي يحكي من وجهة نظر إسرائيلية بحتة الدور الذي لعبه المسؤول المصري الراحل صهر الرئيس المصري جمال عبد الناصر، أشرف مروان في خدمة إسرائيل كجاسوس لها. 
والآراء المدافعة والمهاجمة لأشرف مروان وللنسخة السينمائية لم تتوقف. الفيلم والذي بنيت كافة أحداثه بناء على الرواية الإسرائيلية والتي قدمت مؤخراً في كتاب يحمل نفس العنوان لم يحسم أبداً بشكل مقنع أن أشرف مروان كان جاسوساً لها، وخصوصاً أنه فشل في توصيل موعد إعلان الحرب عام 1973. هذه نقطة الضعف العظمى في رواية إسرائيل التي بقيت دون إجابة مقنعة في الكتاب والفيلم معاً. 


إسرائيل ومنذ نشأتها وهي تروج لنفسها صورة نمطية وذهنية ثابتة أنها دولة صغيرة محاطة بالأعداء من كل صوب، ومع ذلك قادرة على الانتصار تماماً كما تقول الرواية التوراتية الأشهر عندهم في الحرب بين النبي داود (الأضعف عدداً) في مواجهة الأقوى جالوت، وانتصاره عليه. وإسرائيل منذ نشأتها تشبه حالتها بنفس حالة الرواية التوراتية هذه، وهي الرواية الموجودة في الإرث الإنجيلي أيضا بالنسبة للغرب المسيحي. 


وما زاد من سمعة إسرائيل وقدرتها غير العادية هو نجاح الفريق الذي أنشأته إسرائيل لصيد واغتيال القيادات النازية والتي هربت ولجأت إلى بقاع العالم المختلفة، بعد هزيمة هتلر وحلفائه عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وتغييرهم لأشكالهم وهوياتهم ومع ذلك تمكنت إسرائيل من الوصول إليهم وتم الترويج لتلك «النجاحات» بشكل كبير ومتواصل، وما ينطبق على هذا الفريق ينطبق أيضا على جهاز الموساد الذي استطاعت «إسرائيل» أن تروج له عبر علاقاتها الهوليوودية على أنه «أقوى جهاز استخباراتي في العالم» وأنه «الجهاز الاستخباراتي الذي لا يقهر» والعمل بشكل دائم على إظهاره في الأعمال السينمائية على أساس أنه الجهاز الأسطوري بأبطال فوق العادة. وكل فترة وأخرى تخرج كتب «تؤرخ» و«توثق» أعمالا «بطولية» للموساد (لا أحد يعلم حقيقة ما حدث فيها ولا مدى مصداقيتها) آخرها كتاب من الحجم الكبير جدا بعنوان مثير «انهض واقتل أولا»: التاريخ السري لاغتيالات إسرائيل المستهدفة من تأليف الكاتب رونين بيرجمان. وليست محاولات التلميع الإعلامي التي يتبعها الموساد هي الأولى من نوعها، فللمخابرات البريطانية تاريخ مهم في هذا المجال، فبعد انطلاق الحرب الباردة عقب الحرب العالمية الثانية، كانت لندن نقطة التقاء لصراع عملاء المعسكرين الشرقي السوفياتي والغرب بحلفائه، فولد دور متعاظم للمخابرات البريطانية وكانت شخصية العميل السري جيمس بوند والتي باتت شخصية هوليوودية سينمائية يتشوق المشاهد للمزيد من مغامراته وبطولاته وهي كلها تحسب للجهاز المخابراتي البريطاني في دعاية عظيمة له.


وفي أميركا كانت روايات الكاتبين طوم كلانسي وروبرت لاندلوم تقوم بنفس الدور على الشاشة في الأفلام التي أنتجت عليها لتمجيد دور وكالة المخابرات المركزية الأميركية السي آي إيه. السمعة والصورة النمطية ترسم الدور المنوط به، فتحسم المعارك قبل بدئها أو كما وصفها الفيلسوف الصيني المشهور صن تسوي في كتابه الأشهر «فن الحرب» عندما قال «الحرب يتم الفوز بها قبل أن تبدأ». 
الحروب الإعلامية بين أجهزة الاستخبارات العالمية تشبه الحروب التجارية بين الماركات العالمية الكبرى، ولكن خسائرها بشرية وليست مالية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد