: آخر تحديث

ورقة حول ملفات المغرب الحقوقية

3
3
2
مواضيع ذات صلة

 محمد الهيني

 تتناول هذه الورقة ثلاثة موضوعات بارزة تستأثر باهتمام الرأي العام المغربي، سواء على مستوى النخب أو على مستوى المجتمع المدني أو على مستوى الفئات الشعبية المتتبعة والمواكبة للأحداث.

وقد تم اختيار هذه الموضوعات مجتمعة في حفل الإنسانية بباريس على اعتبار أن لها كذلك امتدادات إلى مواضيع حقوقية أخرى؛ وهي كالآتي: - عدم الإفلات من العقاب في قضية الشهيد أيت الجيد بنعيسى؛

- الحراك الاجتماعي وآفاق الحل؛

- الاتجار في الأشخاص (المرأة والطفل).

أولا: الإفلات من العقاب في قضية الشهيد أيت الجيد بنعيسى

تعتبر قضية الشهيد أيت الجيد بنعيسى من أكبر قضايا حقوق الإنسان العالقة والمتصلة بالاغتيال السياسي؛ فلقد اغتيل هذا الطالب اليساري القاعدي بتاريخ 25/02/1993 بضواحي جامعة فاس على أيدي مجموعة متكونة من 30 شخصا تمثل فصائل الإسلام السياسي بالجامعة آنذاك بوصفهم الأداة المباشرة في الاغتيال، ولم يحاكم منهم بشكل عادل سوى شخص واحد. وما زالت الحركة الحقوقية المغربية تطالب بالكشف عن جميع القتلة وتقديمهم إلى العدالة، ورفع اليد عن حمايتهم والتستر على الباقين، وإيقاف أي تأثير عن سير محاكمة الأربعة المبرئين ابتدائيا واستئنافيا.

ويبقى أشهر مساهم في هذه الجريمة هو عبد العالي حامي الدين، القيادي الحالي في حزب العدالة والتنمية، الحزب الإسلامي الذي يرأس الحكومة المغربية الحالية والسابقة، والذي نشط جيدا بواسطة وزرائه ونافذيه وعلى رأسهم وزير العدل السابق المحامي ذ/ مصطفى الرميد الذي كان رئيسا للنيابة العامة. وها هو حاليا، بعد قبول قاضي التحقيق بجنايات فاس التحقيق مع حامي الدين في جناية المساهمة في القتل العمد، يخرج متضامنا معه وهو يحمل هذه المرة صفة وزير حقوق الإنسان. كما يحضر معه هو ووزير آخر في ندوته الصحافية التي ينتقد فيها موقف قاضي التحقيق بالموافقة بفتح تحقيق معه وباستدعائه للمثول أمامه في وقت العمل، مما يدل على تدخله وحمايته إبان ترؤسه للنيابة العامة ووزارة العدل.

كما أن تصريحات قادة الحزب، بمن فيها رئيس الحكومة / الأمين العام للحزب، العلنية والصريحة بعدم متابعة عبد العالي حامي الدين عضو مجلس المستشارين والذي يعتبر كذلك أحد المؤثرين في مجموعة الاغتيال، تفيد التأثير القوي للحزب في القضية، كما تبرهن على وجود دعم خفي للدولة من أجل إنقاذه وإفلاته من العقاب.

إن عدم رغبة الدولة في التعامل بالصرامة وبالجدية المطلوبة في قضايا الاغتيال السياسي، وخاصة في قضية الشهيد أيت الجيد بنعيسى، إنما يعطل التحول إلى دولة عدم الإفلات من العقاب وطي ملف الاغتيالات.. وبهذا فهي تبقي على العلاقات الزبونية مع الإسلام السياسي الإخواني؛ بل وتعطل السير نحو دولة الحقوق والحريات التي تبني أسس الديمقراطي.

لذا، فالمطلب الحقوقي من الدولة المغربية هو عدم إفلات كل قتلة الشهيد أيت الجيد بنعيسى من العقاب بدون استثناء سواء المخططون أو المنفذون.

ثانيا: الحراك الاجتماعي وآفاق الحل

بدأ الحراك الاجتماعي بمدينة الحسيمة وانتقل إلى باقي المدن الصغيرة المجاورة أواخر سنة 2016، على إثر حادثة وفاة أحد المواطنين العاملين في ميدان السمك داخل شاحنة القمامة أثناء محاولته استعادة سمكه الذي حجز منه وتقرر إتلافه هناك.

كانت هذه الحادثة النقطة التي أفاضت الكأس، وقد انطلقت الاحتجاجات بداية كرد فعل على هذا الحادث، ثم سرعان ما قطعت مع الحادث لتسوغ مطالب اجتماعية ستواصل بناء عليها الاحتجاجات بشكل منتظم.

شكلُ الانتظام الذي اتخذته الاحتجاجات جعل منها حراكا حسب ما تداولته وسائل الإعلام من التزام المحتجين بمواعيد الاحتجاج والحجم المعتاد على الخروج ونسبة التجاوب مع قيادة الحراك مع تفاصيل أخرى تتعلق بإدارته.

وقد اهتمت الدولة المغربية أمنيا وسياسيا، سواء بنظامية الشكل وارتباطه بمطالب المنطقة الاجتماعية وسواء بتعاطف الجالية المغربية بالخارج وخاصة الريفيون واليساريون والتي شكلت من جانبها أشكالا نضالية وتنظيمية انفلت بعضها إلى المطالبة باستقلال الريف كرد فعل على تهميش المنطقة وعدم مساءلة المسؤولين على الأوضاع الهشة والمزرية بها.

لقد كانت المطالب المرفوعة من طرف الحراك لا تتعدى المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المشروعة والممكنة والدنيا وذات الصبغة المحلية، والتي كانت تتهم لصوص المشاريع ومهربيها وفاسدي الإدارة وأصحاب النفوذ من المسؤولين وغيرهم الذين نهبوا المنطقة وضربوا الاقتصادات الصغرى والاجتماعية وأهملوا البنيات التحية؛ إلا أن الحكومة المغربية لم تنجح في احتواء هذا الفعل الذي امتد إلى البيوت وأصبح له بعد اجتماعي داخل كل الأوساط، وأصبح تعبيرا اجتماعيا لا يمكن احتواؤه إلا بتدخل حكومي نظرا لفقدان الثقة في الإدارة المحلية والجهوية.

وتمثل هذا الفشل في عدم قدرتها على المبادرة والاتصال بممثلي وبقيادة الحراك من أجل الحوار والوصول إلى حل. وتمخض عن هذا الفشل (الذي لسنا في مجال لتشريحه) اعتقال ومتابعة نشطائه على نطاق واسع وعلى فترات متقاربة؛ وهو ما عجل بتوقف هذا الحراك تدريجيا خاصة بعد مسيرة 2017.07.20 التي كانت مناسبة لاعتقال الناشط الحقوقي والصحافي حميد المهدوي، مدير الموقع الإلكتروني بديل. أنفو، الموقع الإعلامي الوطني الرئيسي المواكب للحراك منذ البداية.

الاعتقالات والمتابعات شكلت هما اجتماعيا وسياسيا كبيرا لفت انتباه الرأي العام وجره إلى متابعة تداعيات الحراك عوض الحراك نفسه، وأصبح يتمنى إنهاء مأساة الاعتقال وانعكاساتها على الأسر والعائلات وباقي المجتمع عوض الاستمرار في الحراك.

إن المتابعات عموما، سواء التي تم إجراؤها في الحسيمة أو في الدار البيضاء، كانت غير منسجمة مع طبيعة الأحداث الاجتماعية؛ الشيء الذي جعلها محط انتقاد الحركة الحقوقية. وقد كانت نتائجها كارثية بالأحكام المشددة، وكأنها صادرة في حق مجرمين وليس في حق محتجين ونشطاء وذوي مطالب، مع تكييف سيء للوقائع في حالات، وافتعال أخرى في حالات عديدة.

وبتت جنايات الدار البيضاء في ملف الحراك الذي يحاكم فيه أبرز القياديين، وعلى رأسهم الزفزافي والحنودي وجلول وأحمجيق والأبلق وبولحجل، في 2018.06.27، بأحكام قاسية وصلت إلى 20 سنة، والتي جرت على امتداد 10 أشهر تقريبا من شتنبر 2017 إلى يونيو 2018.

إن طول المحاكمة وتعقدها والمجهود المبذول فيها، سواء من طرف الدفاع أو النيابة العامة أو المحكمة، قد كشف عن خروقات مست المحاكمة العادلة، سواء أثناء إنجاز المحاضر (عدم صدقية الشواهد الطبية، العنف والتعذيب وتلفيق تصريحات واتهامات) أو أثناء التحقيق أو أثناء المحاكمة (عدم الاستجابة لملتمسات الدفاع والاستجابة لملتمسات النيابة العام).

وبالتالي، كانت الأحكام غير منسجمة مع تحقيق المحكمة وما عرض من وقائع وما اعتبر وسائل إثبات وما سبق أن أثاره الدفاع، قبل أن يقرر بإيعاز من المتهمين الترافع بالصمت.

ومن جهة أخرى، عرف هذا الملف إقحام الناشط الحقوقي والصحافي حميد المهدوي، صاحب موقع بديل .أنفو الإلكتروني، الذي تم اعتقاله من طرف نفس قاضي التحقيق وإلحاق ملفه بملف الحراكيين وضمه إليهم ليصبح العنصر الغريب الوحيد عن النشطاء الميدانيين للحراك؛ ذلك أنه كان مساندا له كحقوقي ومغطيا لأنشطته كصحافي.

أما التهمة التي توبع بها حميد المهدوي، فقد كانت عدم التبليغ عن خطط تمس أمن الدولة والتي تصل عقوبتها إلى 5 سنوات. وبالرغم من كون الوقائع المعتمدة معلومات وهمية صادرة عن شخص مجهول في مكالمة هاتفية ملغومة، ولا يمكن أن تشكل قانونا جريمة عدم التبليغ. وبالرغم من دفاع المتهم عن نفسه بتفصيل دقيق ومستفيض ومرافعات المحامين ومن مرافعة النيابة العامة غير المتحمسة، فإن المحكمة عاقبته بـ3 سنوات نافذة، تضاف إلى سنة نافذة سبق أن أدانته بها استئنافية الحسيمة عن جنحة التحريض على التظاهر الممنوع.

وإذا كانت التهمة أعلاه المنسوبة إلى حميد المهدوي لا تستند على وقائع جدية، فإن التهم المنسوبة إلى الحراكيين لا تستند على القانون ومبادئه، كما لا تستند على أفعال مكتملة الأركان؛ وهو ما يجعلها أفعالا عادية غير مجرمة في أقصى الحالات، فضلا عن وجود متابعات بدون وقائع واضحة.

لذا، فإننا نطالب بالإفراج عن جميع معتقلي الحراك، بمن فيهم حراكيو الريف وجرادة وزاكورة، وبشكل استثنائي الصحافي حميد المهدوي؛ وذلك عن طريق العفو الملكي قبل الوصول إلى المرحلة الاستئنافية.

ثالثا: الاتجار في الاشخاص وقضية المرأة والطفل

يستأثر هذا الموضوع (الاتجار في البشر) في المغرب باهتمام الرأي العام، خاصة ذو الصلة والمتتبع على إثر اعتقال الصحافي توفيق بوعشرين، مدير جريدة "أخبار اليوم" بداية شهر فبراير 2018 على خلفية اتهامه بهذا الفعل الذي هو الاتجار في الأشخاص مع تهم أخرى كالاغتصاب والتحرش الجنسي وهتك العرض.

قد انصبت الأفعال موضوع المتابعات والتهم أساسا على مستخدمات لديه سواء من الصحافيات أو الإداريات باستغلال ظروفهن الاجتماعية وهشاشتهن وفقرهن وابتزازهن والضغط عليهن بوسائل مختلفة: أولاها التشهير بهن بواسطة التسجيلات المنجزة من طرفه والتي توثق للعديد من الاعتداءات الجنسية المختلفة، والتي شكلت أساس المتابعات، إلى جانب تصريحات الضحايا في محاضر الشرطة والمؤكدة أمام المحكمة.

هذا الملف المعروض على جنايات مدينة الدار البيضاء قد أثار نقاشا كبيرا حول وضعية المرأة الهشة، سواء على صعيد حقوقها ولو لم تكن فقيرة اجتماعيا، وسواء على صعيد حمايتها من الاستغلال الجنسي قانونيا وقضائيا؛ حيث إن الدولة المغربية لم تكن إلى حدود اعتقال بوعشرين قد سنت سياسة جنائية لحماية المرأة من الاستغلال المتنوع (الجنسي، المهني، السياسي والديني...)، وهكذا سيثار النقاش حول مدى جدية الدولة في رسم سياسة جنائية جديدة مدعومة بمزيد من القوانين الجديدة الحمائية للمرأة وتغيير أخرى، وستتعالى الأصوات من أجل أن تواصل المؤسسات ذات الصلة بالعدالة من نيابة عامة وضابطة قضائية وقضاء جالس جديتها في حماية المرأة من كل أنواع الاعتداءات المبنية على:

- عدم المساواة مع الرجل في الحقوق والحريات؛

- سيطرة العقلية الذكورية في المجتمع المغربي، بما فيها النخب الاقتصادية والسياسية والإدارية والثقافية والمسيرة لدواليب المؤسسات العمومية المؤثرة، وهو ما يسمح بالظلم والاستغلال وعدم وصول المرأة إلى حقوقها بالرغم من التشكي والاحتجاج عن طريق الجمعيات الحقوقية خاصة النسائية منها؛

- هيمنة الفكر الديني المتطرف وتغلغله أكثر داخل أوساط لم تكن بالأمس كذلك، مما يسهم في تأزم أوضاع المرأة والمجتمع بأكمله، والذي يتأسس على مبدأ دونية المرأة واحتقار حقوقها وتبخيسها.

إن محاكمة هذا المتهم، الذي يتمتع بشهرة وبنفوذ يحسب لهما وهو في حالة اعتقال بجرائم حقوقية، قد كشفت فعلا عن عدم نضج جانب - ولو ضئيل - من الحركة الحقوقية بالمغرب في الدفاع عن حقوق المرأة وعدم الإفلات من العقاب وتطبيق القانون بصرامة في قضايا المرأة والأطفال، واستعملت منطق المعارضة الدائمة للدولة ومؤسساتها ولو ضد حقوق نساء ضحايا كل أشكال الاعتداءات الجنسية.

وبالرغم من أن رئيس النيابة العامة المغربي قد أصدر كتابا لجميع وكلاء الملك والوكلاء العامين للملك بالانتباه إلى الأفعال التي تشكل اتجارا في البشر وتفعيل القانون بشأنها، فإننا نتمنى أن ينصب هذا التوجه أكثر في قضايا المرأة والطفل بنفس الجدية والإتقان والاهتمام الذي حظي به ملف النساء ضحايا المتهم بوعشرين، وأن يستمر الجانب الآخر من الحركة الحقوقية الناضج حقوقيا في مواصلة الدفاع عن حقوق المرأة وخاصة في جانب تطوير الترسانة القانونية، السياسة الجنائية والأسرية.

إن الاستغلال الجنسي (الاتجار في البشر والتحرش الجنسي وهتك الأعراض) في المغرب يعرف نشاطا مكثفا في كل المؤسسات وبكل الأشكال خاصة في حق النساء والفتيات في وضعية هشة، واللواتي يشكلن الأغلبية الساحقة للنساء المرشحات لهذه الاعتداءات.

أما بخصوص الطفل، فإن وضعية الأطفال في المغرب، فضلا عن الأرقام الرسمية التي تبين توسع قاعدة المنتهكة حقوقهم في التعليم والصحة، فإنهم ما زالوا يتعرضون لعدة أنواع من الاعتداءات التي تدخل في إطار الاتجار في البشر باستغلالهم في: أعمال التسول المختلفة ومنها المتصلة بالنصب والاحتيال، وأعمال السرقات المختلفة وعلى رأسها النشل، وأعمال بيع بعض الأشياء البسيطة في محطات أضواء المرور والأماكن المكتظة، وعمال جنسية بالنسبة للقاصرات...

وأكبر خطر يتهدد الأطفال والأسرة والمجتمع هو الاعتداءات على أطفال الأمهات العازبات، والذين يجب على الدولة أن تغير تشريعاتها بخصوص تسوية الوضعية القانونية لهم، بإلغاء الميز بين البنوة البيولوجية والشرعية، والسماح لهم بحياة طبيعية بعيدا عن الوصم، التمييز، الاستغلال والقهر النفسي ولأمهاتهم، في أسر تستطيع أن تخرج من الهشاشة القانونية والاجتماعية إلى الوضع القانوني والاجتماعي السليم الذي يؤهلها لمواجهة أي عنف على قدم المساواة مع الآخر.

لذا، نطالب بـ:

- تشريع يساوي بين المرأة والرجل في كل شيء دون تمييز يذكر، ويحمي المرأة والطفل من العنف؛

- سن تشريع أكثر حمائية للمرأة جنائيا يمكن من سهولة إثبات جرائم الاتجار في البشر والتحرش الجنسي وهتك العرض، وسن سياسة جنائية صارمة لفائدة المرأة والطفل على السواء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد