: آخر تحديث

التحولات المجتمعية بالمغرب

9
11
9
مواضيع ذات صلة

التحولات المجتمعية بالمغرب وسؤال التكيف الديمقراطي والحقوقي؟

الحسين بوخرطة

وأّنا أبحر كالمعتاد في الفضاء الأّزرق الافتراضي، صادفت تغريدة لصديقي السيد عبد المطلب اعميار، ونحن الاثنان ننتمي إلى مدينة من مدن هوامش المركز (سيدي سليمان)، مفادها ابتعاد السياسة عن الأرضيات الفكرية، وتورطها في تبرير وتدبير اليومي، لتبتعد بذلك عن مقومات وجودها ومشروعيتها المجتمعية والتاريخية. لقد أثار إشكالية المشروعية السياسية بالمغرب وثقافة المشروع السياسي، وقدم أمثلة سأذكرها بالحرف.

لقد أسست أحزاب الحركة الوطنية مشروعيتها السياسية على مطالب التحرير.

وفي السبعينات، تأسس مشروع النضال الديمقراطي على فكر سياسي يسنده ويبرره.

وفي بداية الثمانينيات،تأسست مشروعية الفكر اليساري الإصلاحي على مشروع "دمقرطة الدولة، دمقرطة المجتمع".

وفي بداية التسعينات، تأسس التناوب التوافقي على أطروحة الانتقال الديمقراطي...

وتأسست فكرة الأصالة والمعاصرة على مشروع الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية....

بهذه النقط المتتالية يلتقي كاتب التغريدة مع مقالي المنشور في الجريدة الالكترونية محطة24 تحت عنوان "رهان تحصين مسار الانتقال الديمقراطي وسؤال تحقيق المصالحة الاقتصادية بالمغرب". لقد قال في هذا الصدد بالحرف: "هذه المشاريع الكبرى، وربما أخرى (بدون أن يحدد)، سواء اتفقنا معها أم لا، ساهمت في تحقيق التراكمات الموضوعية، في زمانها، بهذا القدر أو ذاك. وطبعا، لكل مرحلة إخفاقاتها .

واليوم، يضيف الكاتب، نعيد طرح السؤال: "هل يمكن تجاوز أزمة الحاضر، دون التفكير في السياسة كمشروع مجتمعي بأبعاده التاريخية، مشروع سياسي يحقق القطائع المطلوبة من اجل المستقبل. تأسيس مشروعية جديدة من قلب الأزمة. ليس لتبرير اليومي بل من أجل تجاوزه. ولهذا، تكون السياسة خطيرة عندما تعرف كيف تحدث الرجة المطلوبة" (انتهى كلام الكاتب). أما التعقيبات على التغريدة، فمنها من طالب بالتضحية على كل المستويات، وهناك من ربط شعبية حزب المصباح بسياسة القرب التي ينتهجها والخدمات المقدمة للمواطنين باستمرار في الزمان والمكان، ...إلخ.

وجوابا على بعض التعقيبات أقول أن التاريخ السياسي المغربي بعد الاستقلال أبرز حقيقة لا مفر منها، حقيقة تؤكد اليوم أن نجاح التفاوض في إطار توازن القوى السياسية والسلطوية في المجتمع والدولة، تم من خلال وجود أحزاب وطنية، بحركات اجتماعية، أساسها فكري، استندت في فعلها الميداني على مقاربات تجسد في كل مبادراتها سياسة القرب، والدفاع اليومي، على مستوى كل الفضاءات المجتمعية، على حقوق المواطنين السياسية والحقوقية. فالاقتصار على إغراء المواطنين بالمنفعة لوحدها، بدون برامج تكوينية ولا مشاركة سياسية، لا يمكن اعتباره إلا ريعا أو رشوة سياسية ينتفع منها الراشي والمرتشي.

وفي نفس المنحى لتغريدة الصديق عبد المطلب، الصديق الذي أسسنا معا جريدة الجسور المغربية الورقية التي توقفت بعد إصدار خمسة أعداد فقط، ، قلت في مقالي السالف الذكر أنه، بالاحتكام إلى الموضوعية السياسية، لا يمكن لأي كان أن ينكر أن البلاد قد تجاوزت مرحلة الصراع بين الدولة والمجتمع. فما تحقق منذ 1998 من تراكمات في الترسنة القانونية والحقوقية والمؤسساتية، وما عرفته البلاد من مبادرات وإجراءات ميدانية، أصبح يفرض اعتماد التفاوض المسؤول كأساس للتقدم بسرعة في المسار الديمقراطي وترسيخه ثقافيا ومؤسساتيا.

وأضفت: "لقد وصلنا (على أساس التوافق)، في هذا المسار، الذي حل من خلاله التفاوض مكان التصادم، إلى مرحلة سياسية جديدة، مرحلة تغليب المقاربة السياسية في حل الإشكاليات ومواجهة الأزمات مع الحرص على الاحترام التام للقوانين الجاري بها العمل (تم إلى حد ما التوافق على التطوير الإيجابي للحد الفاصل ما بين الحرية والمقاربة الأمنية واستحضار هاجس الاستقرار).

وأمام هذا التطور السياسي، الذي بناه نظريا وميدانيا رواد الفكر السياسي المغربي المعروفين على رؤوس الأصابع، أرى أن على مجتمع اليوم مطالب ليكون قادرا على التعبير كونه لن يكل ولن يمل في إعداد أرضيات تفاوضه كلما تطلبت الأمر ذلك، والاجتهاد فيها، وتقوية الحركات الاجتماعية للدفاع عنها. إنها المقاربة السليمة التي ستربط الحاضر والمستقبل السياسي لبلادنا بتراكمات مرحلة 1998_ 2016.

أقول هذا لأن تحديات ورهانات استحقاقات 2021 تشكل اليوم إشكالية حقيقية، مطروحة بحدة على الدولة والمجتمع، إشكالية تزداد تعقيدا أمام ما يثار في شأن استنفاذ مشروعية العديد من النخب، وما يتطلبه المستقبل من تحقيق للتوازن السياسي المؤمن للتناوب وترسيخه .... لقد برزت في نفس الوقت، وبالملموس، إشكالية المشاركة في الاختيار السياسي، و قدرة هاته المشاركة على إنتاج نخب جديدة من شباب الوطن، وعلى الرفع من مستوى وقيمة التمثيلية الشعبية.

ونظرا لهذه الاعتبارات، وأخرى بالطبع، فإن تقوية روح الدفاع على ثوابت الأمة المغربية، وتاريخها السياسي والمؤسساتي المتطور نسبيا (مقارنه مع ما قبل 1998)، والتشبث بالسلمية والحكمة في الاحتجاج، والحرص على تثبيت الاستقرار، والإجماع في الدفاع على الوحدة الترابية، ومضاعفة الجهد لمواجهة الفساد، تعتبر اليوم مكتسبا ثمينا، وثروة في ملك المجتمع المغربي ومؤسساته.

إن نضج الحركات الاجتماعية، ونضح تفاعل الدولة معها، يمكن أن يشكل زادا غنيا بالفوائد، ومقويا للثقة، وللحركية المجتمعية والمؤسساتية. فعلا الشباب المغربي يحتاج إلى تشبيب نضالي للأداة السياسية والأداة الإدارية، لتمر الأمة إلى مرحلة جديدة، تجعل من المصالحة السياسية والحقوقية مكسبا غير قابل للتراجع، وتوفر للبلاد شروط جديدة لتحقيق التراكم المستمر والسريع، وبالقيمة المطلوبة، لتحقيق المصالحة الاقتصادية. انه رهان المصالحة بين الرأسمال والعمل والحرية. بلادنا مؤهلة للنجاح في بلورة واعتماد نموذج اقتصادي جديد تكون فيه السياسة محصنة للحرية الموضوعية، ومحققة للتنمية المستدامة بزعامات جدبدة وبروح وطنية راقية.

وفي الأخير، أختم هذا المقال بإثارة مفهوم "الحركة الاجتماعية"، لعله يقنعنا جميعا أن التحولات التي تعرفها المجتمعات، كيف ما كانت طبيعتها، فهي عادية وتكرر نفسها بمنطق مغاير في التاريخ. لقد رفض آلان تورين ما قيل عن ما بعد الحداثة. وفي نفس الموضوع اعتبر تشارلز تلى الحركة الاجتماعية كونها ليست إعجازا أو منظومة سحرية تتطلب جهود غير عادية، فجميع عناصرها موجودة في الواقع وقيد الإنتاج وإعادة الإنتاج والتطوير. الحركات الاجتماعية هي سلسلة مستدامة من التفاعلات بين أصحاب السلطة وأشخاص يضطلعون بالتحدث نيابة عن قاعدة شعبية تفتقد إلى تمثيل رسمي، وذلك في مجرى إذاعة هؤلاء الأشخاص لمطالب واضحة لإجراء تغيير في توزيع أو ممارسة السلطة وتدعيم هذه المطالب بمظاهرات عامة التأييد..... فالتباين في الدعم الشعبي للأحزاب الوطنية ما هو إلا انعكاس للقدرة عن خلق وتنمية وتطوير الحركات الاجتماعية. لقد كان اليسار بكل أشكاله بارع في مرحلة طويلة (الأولى) في هذا المجال، لتتراجع أدواره لتحل محله في مرحلة ثانية تيارات الإسلام الحركي، لنعيش اليوم تحولات جديدة تستدعي الاجتهاد في إيجاد ميكانيزمات وآليات التكيف والتوازن الإيجابي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد