: آخر تحديث

منير بشير في ذكراه

19
20
21
مواضيع ذات صلة

إنعام كجه جي 

مرّ عشرون عاماً على رحيله. كلما تذكّرنا واحداً من كبارنا نعزّي أنفسنا بالقول إنه استراح ولم يتابع تدهور العراق وخراب الموصل، مسقط رأسه. نزل منير بشير (1928 - 1997) من مدينته إلى بغداد، سنة تسع وثلاثين، ليلتحق بشقيقه الأكبر العازف جميل بشير. عائلة من العوّادين أباً عن جد. تعلم الطفل العزف على العود قبل أن يتعلم القراءة. وفي بغداد، ذهب إلى ما كان يُسمّى دار الإذاعة اللاسلكية، في الصالحية، ليلتحق بشقيقه في فرقة الإنشاد. سمعوا عزفه فأرسلوه إلى الفرقة الموسيقية. يذهب الطفل ويجلس عند الباب. إذا حدث وتغيّب واحد من عازفَي العود، صالح الكويتي أو شوعا العوّاد، يستدعونه ليحل مكانه.

أخذه أخوه وسلّمه إلى مدير المعهد الموسيقي، الشريف محيي الدين حيدر. كان في حدود العاشرة لكن الشريف وافق على قبوله تلميذاً له. ومحيي الدين حيدر أسطورة في حد ذاته. فنان لم يعرف العراق مثيلاً له. حقوقيّ، لغويّ، رسام، عالم في الطبيعة، موسيقي يعزف على العود وأيضاً على الفيولونسيل. سأل الولد أستاذه ذا الشعر الطويل والشاربين الكبيرين: «كيف تكون من العائلة المالكة وتشتغل فناناً؟». أجاب الأستاذ أن الموسيقى أسمى ما في الحياة.

بعد ست سنوات من الدراسة عيّنه مساعداً له. أول عراقي يتولى تدريس العود في معهد الفنون الجميلة. بعدها فتح معهده الخاص في شارع السعدون. وكان ناظم الغزالي يدرس التمثيل في الصباح ويذهب في المساء ليتعلم العود عند منير بشير. درس لثلاثة أعوام على أمل أن يصبح عازفاً وقارئ مقام. ثم تزوج المغنية الشهيرة سليمة باشا ونهل من خبرتها ومحفوظاتها من «البستات» البغدادية. أصبح الغزالي أول مطرب عراقي مسموع في بلاد العرب.

يومذاك، كانت فرقة الإذاعة تعتمد على العازفين اليهود: يوسف زعرور وصالح الكويتي وأخيه داؤود وساسون وإبراهيم طقّو وشوعا العواد. ومعهم عازف إيقاع مسلم هو حسين عبد الله وعازف أرمني على الكلارنيت هو آرتين غرابيت. ومنهم تعلم منير بشير أسرار المقامات وطريقة مرافقة المطربين عند الغناء. كان يقف وراء الستار، يصغي ويتعلم ويحفظ. لكنه لم يحبّ لقب «آلاتي»، وجاهد طوال حياته ليكون موسيقاراً.

عند هجرة، أو تهجير، اليهود من العراق إلى إسرائيل، كان منير بشير مسؤولاً عن الفرقة وهو في نحو العشرين. روى لي أنه دخل على مدير الإذاعة حسن الدجيلي وقال له إن السماح بسفر العازفين اليهود جريمة. وأضاف في حديث معه قبل وفاته بأسبوعين، جرى في أصيلة بالمغرب: «كان أولئك العازفون والملحنون عراقيين أصلاء، تعاملوا مع المقام بشكل أنيق، وتركوا برحيلهم فراغاً كبيراً». لم يكن في إذاعة بغداد سوى آلات بدائية للتسجيل. وطلب منير بشير من الفنيين تسجيل معزوفات الموسيقيين اليهود قبل أن يغادروا. وحفظت شركة اللبناني «نعيّم» الأغاني والمقامات المتوارثة على أسطوانات. وظلت تلك التسجيلات مرجعاً أساسياً للتراث الذي وصل إلينا. وكانت كلها محفوظة في المكتبة الصوتية للإذاعة، قبل النهب. ويوم خرج اليهود ولم يبق في بغداد عازف على الجوزة، الآلة التراثية المدهشة، فطلب منير بشير من عازف الكمان شعّوبي إبراهيم أن يتعلم العزف عليها. قال له: «هذا واجب وطني». وبالفعل تعلمّها شعّوبي بسرعة وأتقنها واشتهر بها مع رفاقه في فرقة «الجالغي البغدادي».

قبل أن يصبح عازفاً انفرادياً ويؤسس لأسلوب في الارتجال وينال أوسمة من دول عديدة وتُفتح له صالات الشرف في المطارات العالمية، عزف منير بشير مع كبار قرّاء المقام العراقي، أمثال رشيد القندرجي وأحمد موسى ومحمد القبانجي، ثم مع يوسف عمر. وهو يرى أن حسن خيوكة كان أبا المقام لكنه لم يأخذ نصيبه من اهتمام الدارسين. وعندما توقفت شركة «نعيّم» صار القبانجي يذهب إلى ألمانيا أو لبنان لتسجيل أسطواناته. الرحمة لأولئك الكبار الذين متّعونا.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد