: آخر تحديث

المغرب والتكتل في المحيطين المغاربي والإفريقي

39
35
40

إدريس لكريني

جاء انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في ظروف سلسة؛ تعكس الخطوات المحسوبة التي اتخذها المغرب على هذا الطريق منذ الإعلان عن هذا التوجه؛ ويجسد الانضمام تتويجاً طبيعياً لمجهودات ومبادرات كبيرة قامت بها الدبلوماسية المغربية في العقود الأخيرة؛ التي عمّقتها ودعمتها الزيارات الملكية لعدد من البلدان الإفريقية؛ وهي أيضاً تعبير عن قناعة المجموعة الإفريقية بالقيمة المضافة التي تشكلها هذه العودة عبر مؤسسة الاتحاد على مستوى تطوير العمل المشترك، ودعم التعاون والتنسيق الإفريقيين في إطار التعاون جنوب - جنوب المبني على تبادل المصالح بشكل ندّي ومتوازن.

ويشكّل هذا الانضمام بداية لمعارك يفترض أن تنخرط فيها الدبلوماسية المغربية؛ تتنوع بين تجاوز الصورة القاتمة التي راكمها خصوم المغرب داخل الاتحاد في غيابه؛ وتوضيح مجموعة من العناصر ذات الصلة بقضية الصحراء؛ إضافة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية المغربية- الإفريقية من داخل مؤسسات الاتّحاد، وتجاوز كل ما من شأنه التّشويش عليها.. فضلا عن السعي مستقبلاً بمعية الدول الأعضاء الصديقة نحو استثمار المادة الثانية والثلاثين من القانون التأسيسي للاتحاد والمتعلقة بتعديل ومراجعة هذا القانون باتجاه التراجع عن الخطأ الذي تورطت فيه المنظمة بقبولها عضوية كيان لا تتوافر فيه مقومات الدولة، كما هو متعارف عليه في القانون الدولي.. بما يحصّن سيادة كل الدول الإفريقية المعروفة بتنوعها؛ خصوصاً بعد رحيل رئيسة مفوضية الاتحاد «نكوسازانا دلاميني زوما» المعروفة بمواقفها المعادية للمغرب. 

إن هذا الانضمام هو بداية تحمل رهانات وأولويات اقتصادية مرتبطة بتعميق الشراكات والتعاون مع الدول الأعضاء؛ والدفع نحو انكباب الاتحاد على القضايا والأوليات الحقيقية للقارة في علاقتها بمكافحة الإرهاب، وإدارة الأزمات، وتعزيز الاستقرار، وتعميق التعاون، وتشبيك المصالح بين الدول الأعضاء، ومواجهة التهافت الخارجي المتزايد الذي تتعرض له القارة..

وثمّة سؤال مهم يفرض نفسه بقوّة مع حدوث هذا الانضمام؛ ويتعلق الأمر حول ما إذا كان التوجه المغربي نحو إفريقيا سيتم على حساب تعزيز المسار المغاربي؟

أولى المغرب في السنوات الأخيرة أهمية كبيرة للشراكات الاقتصادية والتجارية كسبيل لتطوير العلاقات المغربية - الإفريقية؛ كما لا تخفى الجهود المتخذة على مستوى تثبيت الأمن والسلم في الكثير من مناطق التوتر والأزمات الإفريقية؛ في إطار مبادرات فردية أو ضمن جهود الأمم المتحدة وعمليات الأمم المتحدة في هذا الإطار.

إن هذا التّوجه هو امتداد لخيار استراتيجي يسعى المغرب من خلاله إلى بلورة نموذج واعد على مستوى التعاون جنوب - جنوب؛ بعيداً عن كل أشكال الهيمنة والاستغلال؛ وهو خيار لا يمكن إلا أن يكون في مصلحة المغرب والدول الإفريقية والمنطقة المغاربية أيضاً.

لا يمكن بأي حال من الأحوال؛ النظر إلى انضمام المغرب للاتحاد الإفريقي تنصّلاً من التزاماته وخياراته المتصلة ببناء اتحاد مغاربي قوي؛ فقد جاء في مقدمة الدستور المغربي لعام 2011 الذي يعد جزءاً من هذه الوثيقة؛ أن المغرب يؤكد ويلتزم ببناء الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي؛ إضافة إلى تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الإفريقية، وتعزيز روابط التعاون والتقارب والشّراكة مع بلدان الجوار الأورو- متوسطي؛ وتوسيع وتنويع علاقات الصداقة، والمبادلات الإنسانية والاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية مع كل بلدان العالم؛ وتقوية التعاون جنوب - جنوب..

كما أن العاهل المغربي الذي يحظى بمهام دستورية محورية ورئيسية في مجال السياسة الخارجية، وباعتباره الفاعل الأساسي في هذا الشأن؛ أكّد في كثير من المناسبات على أهمية وضرورة دعم البناء المغاربي باعتباره خياراً ناجحاً لمواجهة مختلف التحديات التي تواجه المنطقة برمّتها؛ مؤكّداً على أهمية تشبيك العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة، وداعياً أيضاً إلى تجاوز الخلافات الضيقة.. بالانفتاح على المستقبل.

وخلال أشغال القمة الثامنة والعشرين لقادة دول ورؤساء حكومات بلدان الاتحاد الإفريقي التي احتضنتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا قبل أيام؛ لم يفوّت العاهل المغربي الفرصة للتطرق لهذا الموضوع ضمن خطابه أمام أعضاء الاتحاد في أعقاب الانضمام؛ حيث أكد أن المغرب ظلّ مؤمناً بأن قوته ينبغي أن تستمد من اندماجه في محيطه المغاربي؛ ونبّه في الوقت نفسه إلى أن شعلة الاتحاد المغاربي انطفأت، وصارت معه المنطقة الأقلّ اندماجاً في القارة الإفريقية، إن لم يكن في العالم أجمع، بفعل غياب الإيمان بمصير مشترك؛ وضعف المبادلات التجارية بين أطرافه.. على عكس ما تشهده الكثير من التنظيمات الإفريقية الفرعية في هذا الشأن..

ويضيف العاهل المغربي أن عدم التحرّك؛ وأخذ العبرة من التجمعات الإفريقية المجاورة؛ والاستجابة للطموحات التي حملتها اتفاقية مراكش التأسيسية؛ سيعجّل حتما بحلّ الاتحاد المغاربي..

تعكس هذه الإشارة الصريحة حرص المغرب على دعم هذا البناء الذي رافقته الكثير من الانتظارات والطموحات المغاربية؛ خصوصاً أن هناك عدداً من المقومات البشرية والثقافية والتاريخية والطبيعية.. التي تجعل المراهنة على هذا الخيار رابحة في عالم سمته التّكتل..

ومن هنا؛ لا يمكن قراءة التوجه المغربي الأخير نحو تعزيز علاقاته الإفريقية من داخل الاتحاد؛ تراجعاً عن الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي؛ خصوصاً وأن تعزيز هذا البناء سيضمن حضوراً مغاربياً فاعلاً داخل هذا التكتل الإفريقي؛ ويسمح بمنح المنطقة المغاربية مكانة وازنة داخل إفريقيا؛ بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها المتنوعة.

إن التكتل في عالم اليوم هو خيار ملحّ تفرضه الإشكالات المنفلتة والعابرة للحدود في أبعادها المختلفة والتي تستدعي التعاون والتنسيق، ورغم الإشكالات المختلفة التي تواجه الاتحاد المغاربي في الوقت الراهن؛ والتكلفة الاقتصادية القاسية التي يفرزها الجمود الذي يحيط بمؤسساته؛ فإن هذا الأخير يظلّ مطلباً استراتيجياً.. سيسمح حتماً بمواجهة مختلف المخاطر والتحديات التي تواجه المنطقة مجتمعة (تمدد الإرهاب؛ والإشكالات المتصلة بالهجرة السرية؛ والتفاوض مع دول الضفة الشمالية من المتوسط..) وكسب رهانات التنمية في المنطقة.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد