: آخر تحديث
"إيلاف" تستعرض مذكراته في سلسلة حلقات (7)

تحية كاريوكا تُلحِق الخسائر بفرقة المسرحي سمير خفاجي

3
3
2

"إيلاف" من القاهرة:  يُعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود والتي وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي اصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داود.
وتواصل إيلاف عبر عدة أجزاء حكايات المسرح المصري كما روها سمير خفاجي في مذكراته، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها ذاكراً لوقائع بأسماء أصحابها.

 

الحلقات السابقة من مذكرات المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الأولى: سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضي
الحلقة الثانية: سمير خفاجي العاشق لصوت "أم كلثوم": هكذا رحل نجيب الريحاني!
الحلقة الثالثة: سمير خفاجي يوثٍّق انطلاقة فؤاد المهندس وعلاقته بـ"الريحاني"
الحلقة الرابعة: سمير خفاجي: بشارة واكيم مات حزناً من الجمهور!
الحلقة الخامسة: سمير خفاجي: بديع خيري رفض التعاون مع فؤاد المهندس!
الحلقة الساددسة: سمير خفاجي: يوثِّق اللقاء الأول بين بليغ حمدي وعبد الوهاب

 


عروض مستمرة
ويتابع "خفاجي": بعد أسبوع من موسم رأس البر الناجح لفرقة "ساعة لقلبك" تعاقدنا على العمل في بورسعيد على مسرح يدعي الألدرادو. وذهبت إلى بورسعيد لتنفيذ الدعاية اللازمة وتجهيز المسرح الذي كان يعمل عليه قبلنا مباشرة فرقة المسرح الحر، وكانت تقدم في هذه الفترة مسرحية لكاتب جديد هو نعمان عاشور، وكانت المسرحية بعنوان مصر الجديدة، والتي تحول اسمها بعد ذلك إلى (الناس اللي تحت) وقد كانت هذه المسرحية هي ميلاد أحد أكبر الكتاب في المسرح في هذه الفترة. 
وجاء يوم العرض وحضرت الفرقة وتحية كاريوكا لم تحضر، فاسقط في يدنا ولم تلغي الحفلة بل كتبنا لافتة كبيرة على باب المسرح بأن السيدة تحية كاريوكا لم تستطع الحضور في ذلك اليوم وأن من يريد أن يسترد ثمن التذاكر يستردها من شباك الحجز، وبعد انتهاء حفل السوارية استأجرت عربة وتوجهت إلى القاهرة وتوجهت رأسا إلى منزل السيدة تحية كاريوكا وكان معي ممدوح فتح الله الفصيح، وصلنا حوالي الخامسة صباحا، دخلنا.. هو مش من اللياقة أن نقتحم منزلها في هذه الساعة المبكرة، واتفقنا أن نظل في العربة حتى الساعة الثامنة ونمنا  في العربة من شدة الإرهاق وفي حوالي الساعة السابعة والنصف صحوت فجأة من النوم فؤجدت السيدة تحية تنطلق بعربتها فأيقظت السائق وطلبت منه أن يتبع عربتها وظللنا نطارد العربة حتى أصبحت العربتان بجوار بعضهما وإذا بالسيدة تحية تسلم علينا من بعيد وتنطلق بالعربة وكأنها رأت أحد أصدقائها بالصدفة، فسلمت عليها من بعيد، توقفت العربتان في إشارة الإسعاف فنزلنا من العربية وفتحنا باب عربة تحية وطلبنا من السائق ان يتبعنا، ركبت في المعقد بجوارها وممدوح فتح الله في المعقد الخلفي فلم تنطلق ولم تكلمنا إلى أن وصلنا إلى ستديو شبرا، حيث كانت تصور فيلم المفتش العام، في الاستديو ابلغتنا أنها لن تذهب إلى بورسعيد بعد الإهانة التي لحقت بها.. أي إهانة؟.. فقالت إنها طلبت من يوسف عوف أن يحجز لها في البولمان وكان هناك قطار اسمه البولمان ولكن يوسف عوف لم يفهم فحجز لها في اوتوبيس معروف بالبولمان، مما اعتبرته إهانة بالغة، المهم اعتذرنا لها وأنه لم يكن يقصد بل إنه اعتبر أن هذا طلبها، وسافرت معنا فعلا إلى بورسعيد وأكملنا الحفلات. 

بعد ذلك استأجرنا المسرح القومي بالإسكندرية في أول سبتمبر كان إسماعيل ياسين يعمل به حتى 31 أغسطس وطلبت من السيدة تحية كاريوكا أن تسافر معي إلى الإسكندرية قبل موعد العمل حتى أكون مطمئنا وفعلاً سافرت معي هي وزوجها عبدالمنعم الخادم في ذلك الوقت، وأقامت في أوتيل ويندوسر، في ليلة وصولنا سهرنا في بار الأوتيل وضحكنا وقالت أظن إنت مطمئن المرة دي، فقولتلها جدا وأخبرتني أنها ستتوجه صباحا إلى المسرح كي ترتب ملابسها في الحجرة المخصصة لها ومعها لبيستها عطيات وتطلق عليها اسم شيتا. 
في اليوم التالي وكان ذلك قبل ليلة العرض الأولي كلمتني تليفونيًا وطلبت مني الحضور للأوتيل على وجه السرعة، فارتديت ملابسي على عجل وتوجهت للأوتيل وفي حجرتها وجدتها جالسة على كرسي وممدة ساقيها على كرسي آخر ووجدت أن رجلها مربوطة برباط طبي.. خير حصل إيه؟.. أخبرتني أنها حينما توجهت إلى المسرح مع اللبيسة انفعلت عليها.. وتحية عصبية عادة.. وخبطتها بالمنضدة برجلها فاصيب بشرخ، وأنها لا تستطيع بطبيعة الحال أن ترقص، أسقط في يدي.. ما العمل والعرض في الليلة التالية.. ما هذا الحظ.. إننا في بداية سبتمبر وليس في عز الموسم، وتحية أكبر اسم في المجموعة.. كانت الفرقة قد وصلت واجتمعت مع يوسف عوف، ووجدنا أنه مستحيل ألا تعمل تحية وأنها إذا لم تعمل ستكون خسارة فادحة، أن صلنا لحل قد ينقذ الموقف، ووصلنا لحل ينقذ الموقف، وهو أن تظهر تحية كممثلة لا راقصة ووافقت على هذا الاقتراح، وكنا اتفقنا مع عبدالمنعم ابراهيم الذي كان يعمل في ذلك الوقت في فرقة اسماعيل ياسين، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعمل فيها في الفرقة، وكان يقوم في برنامج ساعة لقلبك بشخصية الرغاي.. قمنا بعمل التمرينات في الأوتيل مع تحية وعبدالمنعم على اسكتش كان أحمد حلمي كتبه ليقدمه عبد المنعم إبراهية.
في موعد ظهور تحية كاريوكا على المسرح فتحت الستار ودخلت تحية تعرج قليلا، وقالت للجمهور إذا كنتم صحيح بتحبوني إقبلوني المرة دي ممثلة مش راقصة، صفق لها الجمهور طويلا وعدت الليلة دون خسائر. 
في اليوم التالي ذهبت للطبيب الذي أخبرها أنه يجب أن تضع ساقها في الجبس لأن الإشاعة أثبتت أن بها كسر وإن لم تضع في الجبس تعرضت لخطورة.. وقام الطبيب بتجبيس رجلها من أول الركبة حتى القدم.. وبطبيعة الحال لا يمكن أن تظهر على المسرح وامام هذا الظرف اضطررنا للاستعانة بالراقصة نعمت مختار التي ظلمت بوضعها في هذه المقارنة وطبعا النتيجة لم تكن في صالحها ولا صالح الفرقة وما حققناه في رأس البر وبورسعيد خسرناه وأكثر في هذا الموسم الصيفي بالإسكندرية.

 


حينما عدنا بعد هذا الصيف قدمنا حفلات قليلة على مسرح الأزبكية ولم نلاق نجاحاً ملحوظا وكان معنا من الممثلات سهير الباروني وأزهار شريف زوجة حسن حسني ونبيلة السيدة، وكانت نبيلة مواردها قليلة ومسئولياتها كبيرة، إذا كانت ممثلة بالمسرح الشعبي، في الفترة التي كان يعمل بها على الكسار وقد كان بطل الفرقة وأذكر ان المرة الوحيدة التي شاهدت فيها على الكسار كنت مارا آخذ نبيلة بعد انتهاء حفلة ماتينيه بالمسرح الشعبي، وكانت في دار المركبات في 26 يوليو، وكان يقدم مسرحية باسم (سرقوا الصندوق) وهي عن رائعة موليير البخيل، وندمت لأنني لم استمتع بذلك الرجل قبل ذلك ذلك فهو ممثل تلقائي سلس بلا افتعال، الكوميديا تخرج منه بطبيعية شديدة. 

المهم كانت موارد نبيلة السيدة قليلة وعملها في الفرقة لا يتعدى 4 أو 5 أسابيع في السنة، فقد فاجئتني ذات يوم أن فرقة الريحاني عرضت عليها العمل وستأخذ مبلغ مغري 12 جنيه في الشهر يعينها على التزاماتها بطبيعة الحال.. لا أحد يستطيع معارضة هذا العرض وانضمت نبيلة إلى فرقة الريحاني وكانت تأخذ أدوار صغيرة بالنسبة لموهبتها الكبيرة. 

 

 


في هذه السنة كنت وصلت إلى السنة النهائية بكلية الحقوق، ولم أكن أذاكر إلا في الأيام الأخيرة قبل الامتحان، في فترة الامتحانات جاءت للفرقة دعوة من الموسيقار محمد عبدالوهاب لحضور عشاء عنده بمناسبة تشريف صاحب السمو الملكي الأمير الحسن ولي عهد المغرب وقتها مصر (الملك الحسن الثاني يرحمه الله) فقد أقام الموسيقار هذا العشاء وكانت ساعة لقلبك موضة هذه الفترة، فقلما توجد حفلة كبيرة دون أن تدعي إليها.. فصادف أن الصباح التالي لليلة الحفلة آخر إمتحان لي، وكان في مادة أصول الفقه ولم أكن قد حضرت أي محاضرة لهذه المادة ولم أكن حي فتحت أي ملازم الكتاب وقرأت فيها شيئا.. ما العمل؟.. أذهب إلى الإمتحان أم الحفلة؟.. ظل فكري مشتت.. لابد من أداء الإمتحان فكلها أيام وتنتهي من الدراسة للأبد.. أما العشاء فإنها مناسبة قلما أن تتكرر.. حفلة بها ولي عهد المغرب وسيغني فيها عبدالوهاب.. كيف أترك فرصة كهذه.. وأخيرا استقر تفكيري على أن أذهب إلى الحفلة وبعد الحفلة أعود وأذاكر في أصول الفقه حتى موعد الامتحان.

وذهبت إلى الحفل وكان حفلاً رائعا ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه وجدت زوج شقيقتي السيد حسن فهمي عبدالمجيد هناك وكان في ذلك الوقت ملحق مصر العسكري في المغرب، وكان هو مرافق سمو الأمير.. دهش لوجودي وسألني كيف تأتي إلى حفل كهذا والامتحانات على أشدها، وكانت هذه سنة الإعادة، إذ سبق لي ورسبت في الليسانس بسبب إنشغالي بالفن والفرقة.. لم أتردد وقلت له أن ليوم كان آخر أيام إمتحاناتي وعدي على خير والحمد لله. 

غنى عبدالوهاب (كل ده كان ليه) وأجاد وأطرب وأطال كذلك غني عبدالعزيز محمود، وقدمت الفرقة بعضا من اسكتشاتها، وسهرت كثيراً وذهبت إلى المنزل في حوالي الثالثة صباحا.. ذهبت إلى حجرتي وأخرجت الكتاب ودخلت إلى الحمام وملأت البانيو بالمياه وجلست فيه أفتح ملازم الكتاب، فوجئت لأنه لابد لي من حفظ آيات قرآنية كثيرة للاستدلال بها فلم استطع تجميع أي شئ حاولت التركيز مرة آخرى ولكن دون جدوى.
ذهبت في الصباح في موعد الإمتحان وامسكت بورقة الأسئلة فلم أفهم منها شيئا وكتبت اسمي ورقم جلوسي على الورقة المثبتة في ورقة الإجابة وتركتها بيضاء بغير سوء، وخرجت من الامتحان وعدت إلى المنزل وسألني والدي عما فعلت، فقلت له: هايل.. الامتحان كان سهل جدا وأجبت على جميع الأسئلة قبل الموعد المحدد بمدة طويلة وخرجت.

قبل ظهور النتيجة كنت قد سافرت مع الفرقة إلى رأس البر وكنا نقدم الموسم الصيفي هناك.. وفي إحدى الليالي وصلني تيلغراف من والداي يبارك لي على النجاح.. نجاح أي نجاح.. أنا لم أدخل الإمتحانات وهذا ليسانس أي يجب أن أنجح في كل المواد.. لم أستطع تفسير هذا اللغز.. وبدأ الناس يباركون لي.. ولم تؤاتيني الشجاعة على قول الحقيقة.. وبما إن أصولي من دمياط ولي أقارب كثيرين يصيفون في رأس البر بدأو يقيمون لي الولائم وبعضهم ذبح خرافا وأنا لم استطع إيقاف هذه المهزلة التي لا أدري لها سبباً

حينما عدت إلى القاهرة عرفت سبب هذه الكارثة إذ كان والدي مريضاً وطريح الفراش.. وكان صديقي ممدوح خيري الذي لازمني أغلب فترة الدراسة في الثانوي وكل فترة دراستي بالجامعة وهو معي في كلية الحقوق آخذ والدي في مطاردته تليفونيا يوميا كي يسال عن النتيجة وأشفق صديقي على الرجل في مرضه ولم يشأ أن يصدمه بالحقيقة. فقال له إني نجحت.. لم أٌقل الحقيقة لأحد بل تماديت في قصة النجاح هذه.. وكنت أذاكر سراً في حجرتي فإذا شعرت بأحد يدخل على الحجر كنت أفتح رواية لإحسان عبد القدوس أو طه حسين.. الكارثة الكبرى أنهم بدأوا يبحثون لي عن وظائف وكلما عرضوا شيئاً رفضته.. واصلت المذاكرة وتقدمت لامتحان التيرم الأول ونجحت، لكن هذه المرة لم يبارك لي أحد، لأن الجميع عرفوا إني نجحت العام الماضي.

 

 

بليغ محلنا.. 
كما سبق أن قلت أن بليغ حمدي كان عضوا في الفرقة وكان يغني في بداية العرض وكانت فايدة كامل مطربة وكانت زميلة لي في كلية الحقوق، كذلك بليغ بالرغم من أنه لم يكمل دراسته في كلية الحقوق وبالرغم من أنه غير دارس للموسيقى، إلا أنه كان مرهفاً بحسه الموسيقي. فبداياته كملحن ظهرت بفرقة ساعة لقلبك، وبدأ في تلحين بعض الأغاني للسيدة فايدة كامل.. وقد استمع الموسيقار عبدالوهاب لبعض هذه الألحان وأعجب لها.. كان بليغ نشطا في التلحين.. ولم يكتف بالسيدة فايدة كامل.. بل كانت معنا مغنية في بداية طريقها تدعي (سونيا عبدالوهاب)، وكانت تقوم احيانا ببعض الأدوار المساعدة.. قدّم لها بليغ لحنا لم يكن يدري أنه له دخل كبير في شهرته. فهذا اللحن هو (حب إيه اللي انت جاي تقول عليه)، وقد كتب كلمات الأغنية شاب ناشئ هو عبدالوهاب محمد الذي أصبح بعد ذلك من أرق كتاب الأغنية. 
بعد سنوات قليلة ظهرت الصحف وفيها أن سيدة الغناء العربي أم كلثوم ستقدم لحنا لأول مرة من تلحين بليغ حمدي وكانت أغنية (حب إيه)، لقد كان بليغ صديقاً للموسيقار محمد فوزي، وكان فوزي مؤمنا ببليغ لأقصي حد حتى أنه طلب من السيدة أم كلثوم أن تستمع لألحان بليغ رغم أن محمد فوزي كان إحدي أمنياته أن يلحن لأم كلثوم لكن لم يتم هذا اللقاء.
دعا فوزي أم كلثوم إلى سهرة في منزله كي تستمع إلى الملحن الشاب، وذهبت أم كلثوم فوجدت شابا صغيرًا متربع على الأرض يلبس عدة سلاسل في صدره محتضا عوده، بدا على أم كلثوم الإمتعاض، فأم كلثوم أعتادت على الاحترام من الجميع وتتمسك بقواعد البروتوكول وودت لو انصرفت، ولكنها مراعاة لفوزي جلست على مضض، وبدأ بليغ يداعب عوده ويغني حب إيه اللي انت جاي تقول عليه.. وقرب نهاية السهرة كانت أم كلثوم متربعة على الأرض بجوار بليغ تردد معه الأغنية ولم تنته السهرة حتى كانت حفظتها.. وأصبحت أم كلثوم مؤمنة بموهبة بليغ حمدي الدافقة.. وقيل إن أغنية (أنساك يا سلام) كان فوزي لحن الكوبليه الأول منها، ولما وجد تحمس أم كلثوم لبليغ دفع إليه بالأغنية كي يلحنها وظهرت بعد ذلك باسم بليغ .
كانت أمنية بليغ أن يصل إلى المسرح الغنائي فدرس الموسيقى دراسةً جادة. وبدأ يكتب نوت ألحانه بعد أن كان يعطيها لموزع يقوم بتوزيعها.. وكتابة نوتها، وقد تعاونا كثيراً في مجال المسرح الإستعراضي كما سيأتي فيما بعد. 

في التخشيبة.. 
كنت أجلس في كازينو الجوهرة وهو كازينو مقام في حديقة الأزبكية مع بعض الأصدقاء وكنا قد انتهينا من أحد مواسم الإسكندرية.. فوجدت مخبرا يحوم حول المكان، ولم تمضِ سوى لحظات حتى تقدم مني.. حضرتك الاستاذ سمير خفاجي؟ فأجبته بالإيجاب.. فقال مطلوب منك 92 جنيه.. معاك؟.. فقلتله بالطبع لا.. قالي اتفضل معايا على القسم.. قسم ايه يا أخينا في ايه؟.. اتفضل على القسم وإنت تعرف.. ذهبت إلى القسم مع بعض أصدقائي وفي القسم عرفت الموضوع.. كنا في موسم الإسكندرية لا نلجأ للدعاية على العرض المسرحي لشركات دعاية متخصصة مثل الآن.. بل كنا نطبع أفيش 3 فوليو (أصغر حجم لورق الدعايا) ونلزق على الحائط وأكشاك النور عن طريق أشخاص يقومون بهذه المهمة في فترة المساء، كذلك كانت تعمله أغلب الفرق المسرحية والاستعراضية، ولم نكن ندري أن في هذا ما يخالف القانون.. لم نكن ندري أن هذا يسمونه إشغال طريق.. وهي جنحة غرامتها المالية عن كل أفيش 102 قرش صاغ.. كنا نطبع حوالي 300 أفيش في مختف أحياءالإسكندرية..ويقوم كل حي بحصر الأفيشات في منطقته ويقوم بعمل قضية بعدها ويخطر الحي في الإسكندرية القسم بالقاهرة، ليقوم بالقبض على الشخص الذي صدرت التحريات باسمه، وترحيله إلى الاسكندرية ليبقى في قسم شرطة الحي، إلى أن يعرض على النيابة في اليوم التالي ليعارض في الحكم ويفرج عنه بعد أن تتحد جلسة. 
المهم ذهبت لقسم الازبكية وكانت القضية في باب شرق بالإسكندرية.. علمت هناك أني سأقضي الليلة في الحجز في القسم، إلى أن يتم ترحيلي صباح اليوم التالي إلى الإسكندرية مع المجرمين من اللصوص وتجار المخدرات.. انهرت طبعا، ما هذه الكارثة؟.. ألا يوجد طريقة أخرى غير هذه.. بعد عدة اتصالات وترجيات وصلنا إلى أن هناك طريقة أخري وهي أن أسافر مخصوص على حسابي وأتوجه به إلى الإسكندرية. 
قبلت الوضع وأرسلت يحيى سليط إلى والدتي كي يحضر مبلغا من المال، حتى أنتهي من هذه الليلة الكئيبة.. وذهب سليط وأنا في القسم أعد الدقائق، إلى أن يعود، فمضت ثلاث ساعات ولم يحضر فبدأت في عملية استعطاف مع الشاويش كي يسمح لي أن أتصل بوالدتي تليفونياً، وبعد شرب الشاي سمح لي بالاتصال بالوالدة التي علمت منها أن يحيي أخذ الفلوس وانصرف في حالة انهيار تام، فلما كلمتها أرسلت لي مبلغا آخر مع شخص آخر، واستأجرت في الصباح تاكسي ويصحبني عسكري إلى الإسكندرية، وتوجهنا إلى القسم ومنه إلى النيابة وقمت بعمل المعارضة أمام النيابة ورجعت بالتاكسي مرة أخري للقاهرة، وكلفتني هذه العملية ما يقرب من 25 جنيها.

في المسا قابلت يحيي في كازينو الجوهرة وثرت فيه، وأنا أساله عما حصل.. فأخبرني أنه بعد أن أخذ الفلوس من الوالدة لم يستطع أن يراني في القسم مع المجرمين فذهب إلى بار رخيص وظل يشرب بالنقود حتى الصباح، حتى ينسى ما جري لي. 
تكررت هذه العملية ثلاث أو أربع مرات، كل قسم في الإسكندرية يبعث قضاياه إلى القسم في مصر ليقبضوا عليه.. فأصبحت العملية روتينية، وأصبح ضباط وعساكر القسم يعرفونني، وفي كل مرة أقوم بنفس العملية.. وكان آخرها كانت الفرقة مسافرة صباح اليوم التالي إلى بورسعيد وجاء المخبر إلى الكازينو وحاول يحيى سليط بطريقة فجة أن يرشي المخبر في أثناء مرور أحد الضباط في الطريق وفجأة حينما رأي المخبر الضابط صرخ المخبر الحقني يا حضرة الضابط عاوزين يرشوني.. وكانت ليلة ليلاء.. وفي النهاية ذهبت إلى القسم في الرحلة المعتادة وتوجهت إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة ثم لحقت بالفرقة في بورسعيد. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ترفيه