: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

أحلام ليبرالية وواقعية العالم: صدام لا مفر منه

2
2
2

على الرغم من أن نشر الديمقراطية الليبرالية في العالم أمر منطقي من المنظور الأخلاقي والاستراتيجي، إلا أنه حلم يصطدم بواقعية الحقائق الدولية، ما يحوّل الأمر إلى مجرد وهم كبير، بحسب العالم السياسي الأميركي جون ميرشايمر.

إيلاف: يقول العالم السياسي الأميركي جون ميرشايمر إن الهيمنة الليبرالية مشروع استراتيجي طموح، تسعى فيه الدولة إلى تحويل أكبر عدد ممكن من البلدان إلى ديمقراطيات ليبرالية مثلها، وفي الوقت نفسه تشجيع بناء اقتصاد عالمي منفتح ومؤسسات دولية. 

سياسة صائبة
من حيث الأساس، تريد الدولة الليبرالية أن تنشر قيمها في الاتجاهات كلها. يضيف ميرشماير أنه يهدف في كتابه "الوهم الكبير: الأحلام الليبرالية والحقائق الدولية" The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities (328 صفحة، منشورات جامعة يال، 30 دولارًا) إلى أن يبيّن ما يحدث عندما تتبع دولة هذه الاستراتيجية على حساب سياسة ميزان القوى.  

يلاحظ المؤلف في كتابه الذي نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" مقتطفًا مطولًا منه أن كثيرين في الغرب يعتبرون الهيمنة الليبرالية سياسة صائبة يجب أن تتبناها الدول بصورة بديهية، وأن نشر الديمقراطية الليبرالية في العالم أمر منطقي من المنظور الأخلاقي والاستراتيجي. فهي طريقة ممتازة لحماية حقوق الإنسان، وكذلك لأن الديمقراطيات الليبرالية لا تخوض حروبًا ضد بعضها البعض.

أخيرًا، يقول دعاة الهيمنة الليبرالية إنها تساعد على حماية الليبرالية في الداخل بإنهاء الدول السلطوية التي تدعم القوى المعادية لليبرالية في المجتمع. 

تناقض مع الواقعية
يؤكد العالم السياسي الأميركي ميرشماير أن هذا الرأي خاطئ. فالقوى الكبرى نادرًا ما تكون في موقع يتيح لها تطبيق سياسة خارجية ليبرالية بالكامل. والقوى الكبرى على اختلاف توجهاتها تريد ضمان بقائها، وما دام هناك قوتان كبريان أو أكثر فلا خيار أمامها سوى الاهتمام بموقعها في ميزان القوى العالمي والتحرك وفق ما يمليه الواقع.
 
في النظام ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب، هناك دائمًا خطر التعرّض للهجوم من قوة كبرى أخرى. في هذه الأوضاع، تزين القوى الليبرالية واقعيتها بخطابية ليبرالية. فهي تتحدث، كما يتحدث الليبراليون، لكنها تتصرف كما يتصرف الواقعيون. وإذا انتهجت سياسات ليبرالية، فإنها تدخل في تناقض مع منطق الواقعية. 
 
كما يُعتقد بأن بناء عالم من الديمقراطيات الليبرالية وصفة للسلام العالمي لا تبعد شبح الحرب فحسب، بل تقلل أو حتى تنهي آفتي الانتشار النووي والإرهاب، ومثل هذا العالم هو أخيرًا طريقة مثلى لحماية الليبرالية في الداخل. 

ثمن باهظ
يؤكد مؤلف "الوهم الكبير" أن هيمنة الليبرالية، بصرف النظر عن هذه الحماسة، لن تحقق أهدافها المذكورة، وأنه من المحتم أن يكون لفشلها ثمن باهظ. 

من المرجح أن تجد الدول الليبرالية نفسها مشتبكة في حروب لا تنتهي تزيد خطر النزاعات في السياسة الدولية، وأن تؤدي نزعتها العسكرية إلى تهديد قيمها الليبرالية نفسها. وأخيرًا، حتى إذا حققت الدولة الليبرالية أهدافها في نشر الديمقراطية وبناء مؤسسات دولية وانفتاح اقتصادي، فذلك لن يحقق السلام.
 
بحسب ميرشايمر، المفتاح لفهم حدود الليبرالية هو الاعتراف بعلاقتها بالنزعة القومية والنظرة الواقعية، قائلًا إن كتابه يتمحور حول هذه الأيديولوجيات الثلاث وتفاعلها للتأثير في السياسة الدولية.
 
يوضح أن النزعة القومية أيديولوجيا سياسية قوية، تتمحور حول انقسام العالم إلى دول قومية متنوعة تشكل وحدات اجتماعية لكل منها ثقافتها المتميزة. وكل شعب عمليًا يفضل أن تكون له دولته، ونحن نعيش في عالم مأهول حصرًا تقريبًا بدول قومية، الأمر الذي يعني أن على الليبرالية أن تتعايش مع النزعة القومية. فالدول الليبرالية أيضًا دول قومية، ولا شك في إمكانية التعايش بين الليبرالية والقومية، لكن حين تصطدمان فإن القومية دائمًا تقريبًا تنتصر على الليبرالية، بحسب ميرشامير. 

كثيرًا ما ينال تأثير النزعة القومية من السياسة الخارجية الليبرالية بالتشديد على تقرير المصير الذي يعني أن غالبية البلدان سترفض محاولات الدولة الليبرالية الكبرى التدخل في شؤونها الداخلية. 

لا شرطة عالمية
إلى ذلك، الليبرالية لا تضارع الواقعية. فهي تفترض أن الأفراد الذين يشكلون المجتمع تنشأ بينهم أحيانًا خلافات عميقة قد تؤدي إلى الاقتتال في ما بينهم، وبالتالي تكون الدولة مطلوبة للحفاظ على السلام. لكن، ليست هناك دولة عالمية لديها شرطة عالمية لمنع الاحتراب حين تنشأ خلافات عميقة. فإن بنية النظام الدولي بنية فوضوية غير هرمية، ما يعني أن تطبيق الليبرالية في السياسة الدولية ليس ممكنًا. وليس أمام الدول من خيار سوى العمل وفق منطق ميزان القوى إذا كانت تأمل في البقاء. 

تنقل مجلة "ناشيونال إنترست" عن ميرشايمر أن ما يريد إيصاله هو باختصار أن القومية والواقعية تتفوقان على الليبرالية دائمًا تقريبًا، وعالمنا تشكَّل بهاتين الأيديولوجيتين، وليس بالليبرالية. 

يوضح المؤلف أن كتابه مدفوع برغبة في فهم السياسة الخارجية الأميركية في الآونة الأخيرة، قائلًا إن الولايات المتحدة بلد ليبرالي خرج من الحرب الباردة أقوى دولة في المنظومة الدولية، وإن انهيار الاتحاد السوفياتي وضعها في موقع أمثل للسعي إلى بسط الهيمنة الليبرالية.

وأقبلت مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية على هذه السياسة بلا تردد، وبتفاؤل مفرط بمستقبل أميركا والعالم. في البداية، كان الرأي العام الأميركي يشاركها هذه الحماسة وهذا التفاؤل. 


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "ناشيونال إنترست". الأصل منشور على الرابط:
https://nationalinterest.org/feature/great-delusion-liberal-dreams-and-international-realities-32737

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات