: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

توماس كرومويل الغامض بين الواقع والخيال

5
4
4

من هو توماس كرومويل؟.. رجل له سمعة متغيرة ومتعددة الأوجه. منذ نهضته إلى سقوطه. نُظر إليه بيروقراطيًا براغماتيًا مكيافيليًا رفيع المقام، ساعدت مكائده على انفصال هنري عن كنيسة روما واستبداد الملك.
 
إيلاف من بيروت: والتر كرومويل، والد توماس، الرجل الذي اعتُبر اليد اليمنى لهنري الثامن، يترنّح ثملًا في بداية رواية "وولف هول" لهيلاري مانتل، موجّهًا الركلات واللكمات والشتائم إلى ابنه. يرمي حذاء على رأس توماس ثم يعاقبه للتقيؤ. والتر مخمّر جعّة في بوتني ثمل من جعّته. وهو أيضًا حدّاد وبيطار (على الرغم من أن الخيول تخافه بسبب رائحة فمه أو صوته العالي أو طريقة تصرّفه).

شهادة حياة
وفقًا لمانتل، ما شكّل حافزًا في حياة الشاب توماس هو الحاجة الملحّة إلى الهروب من والده المتسلّط. وبعدما أدّى كريستوفر فيربانك دور والتر في المسلسل التلفزيوني المستوحى من الرواية، بشخصيّته الوحشية، انطبع والتر في أذهان ملايين المشاهدين واحدًا من الأشرار التاريخيين.

في الواقع، كما يتبيّن من السيرة التي كتبها ديرميد مكالوخ عن توماس كرومويل "حياة توماس كرومويل" Thomas Cromwell: A Life، (المكون من 752 صفحة، منشورات فايكينغ، 40 دولار) فإنّ هذه الصورة الشرسة هي مجرّد هراء كبير. 

من المؤكد أن والتر كان صانع جعّة في بوتني، لكن الباقي هو إما مادة من خيال مانتل، أو ما يصفه مكالوخ بـ"أبحاث غير جديرة بالثقة" لجون فيليبس، وهو مؤرخ فيكتوري يروّج أخبارًا مثيرة.

في أسلوبه الشفاف والتحقيقي، يُظهر مكالوخ أن التهم الـ 48 التي وُجّهت على ما يبدو ضد والتر كرومويل سميث في ويمبلدون ليست شهادة على سوء تصرفه، ولا على ثمله، بل على طريقة إصدار تراخيص بيع البيرة. اسم عائلته "سميث" (أي الحدّاد) الذي يظهر في المعاملات الورقية، هو في المناسبة، الدليل الوحيد على حياته المهنية كحدّاد.
 
القصة الوحيدة
تُعدّ شخصية والتر فكرة تفصيلية في حياة ابنه، لكنها تمثّل التحدي الذي يواجهه كتاب مكالوخ، والطريقة الهادئة المذهلة التي يتعامل بها مع هذا التحدي. المشكلة بالطبع هي السيدة مانتل، ونجاح كل من "وولف هول" و"برينغ أب ذا باديز"؛ ومن المقرر أن تنشر الرواية الثالثة في العام المقبل.

كما هي الحال مع مسرحية شكسبير "ريتشارد الثالث"، فإنّ هذه الكتب قد ثبّتت في الوعي المعاصر صورةً لتوماس كرومويل وبيئته التي أزاحت كل الآخرين. صار ينظر إليها على أنّها القصة الحقيقية لحياة كرومويل، لا بل القصة الوحيدة.

يكتب مكالوخ عن "السأم المتزايد" الذي تردّ فيه صديقته، السيدة مانتل، على أولئك الذين يبحثون في الصورة التي رسمتها عن كرومويل، على تمثيل لحقيقة تاريخية بدلًا من فعل خيال. ويقول إن كتابه مختلف، لأنه يدعو القارئ إلى إيجاد الشخصية التاريخية الحقيقية لتوماس كرومويل، من خلال توجيهه عبر متاهة أوراقه المتبقيّة.

في الواقع، النظر إلى المؤلفين النموذجيين يوجّه دعوة أخرى إلى القراء: تقييم نقاط القوة والضعف في عمليهما، ومقارنة أنواع الرؤى التي يستهدفها كلّ من الروائي والمؤرخ.
 
سمعة متغيرة
كرومويل (الذي أدّى دوره على شاشة التلفزيون مارك ريلانس) هو الرجل المناسب لهذا المنصب. لطالما كانت له سمعة متغيرة ومتعددة الأوجه. منذ نهضته ووصولًا إلى سقوطه المريع، كان ينظر إليه على أنه بيروقراطي براغماتي، شخص مكيافيلي رفيع المقام، ساعدت مكائده على انفصال هنري عن كنيسة روما واستبداد الملك؛ سفّاح متعجرف عازم على التقدم الذاتي؛ أو مهندس معماري للنظام البرلماني. من المحتمل جدًا أنه كان مزيجًا من كل هذه الأشياء وأكثر، كما كان رجلًا سياسيًا معقدًا حريصًا على تغذية صورة أسطورية عن نفسه على أنه لغز.

عاش في عصر كان فيه حفظ السجلات يتوسع بشكل كبير، جزئيًا بسبب هوسه بالتوثيق. ومع ذلك، كما يشير مكالوخ، فإنّ أي جهد لإعادة بناء حياته كان يتنافس مع "غياب كبير".

عندما تم القبض على كرومويل في العام 1540، تم الاستيلاء على أوراقه. وبسبب رشاقة موظفيه أو سهو أعدائه، لم تؤخذ إلا المراسلات التي تلقاها؛ ربما تكون النسخ التي احتفظ بها من رسائله الخاصة احترقت. وخلافًا لتوماس مور، منافسه الممجّد الذي سبقه إلى حبل المشنقة، لم يبقَ سوى القليل في يد كرومويل.
 
الحكم الأخلاقي
هذا يفسر بعض الثغرات الموجودة في كتاب مكالوخ، والمجهود البطولي المبهر أحيانًا في توظيف تحقيقات تاريخية لملء هذه الثغرات. في مرحلة ما، يبحث عن "الرسالة الوحيدة" التي ستكشف عن "النهاية الغامضة لدير أوغسطيني صغير في شمال ويلز" في أثناء الحملة العنيفة للقضاء على الأديرة التي أشرف عليها كرومويل.

ربما تفسّر هذه الفجوة بشكل جزئي الطريقة التي تتحدث بها مانتل عن بطلها. إنها تستعمل طريقة غريبة، فتجعله يتكلّم عن نفسه بصيغة الغائب، بدلًا من استخدام صيغة المتكلّم، حتى يكون قبل كل شيء، مُشاهدًا.

الغياب يطرح أيضًا مسألة الحكم الأخلاقي، والتعاطف. بطبيعة الحال، غالبًا ما تكون الروايات توسعية في تعاطفها، وتستدعي خيال القارئ وكذلك خيال مؤلفه. وفي الوقت نفسه، فإنّ التحيّز متأصّل في السرد التقليدي للقصص، فتُترك رواية واحدة عن الأحداث بينما تُستبعد الروايات الأخرى. وكما قالت السيدة مانتل في محاضرة في عام 2017، فإنّ قرّاء القصص التاريخية يطلبون تفسيرًا ذاتيًا للأدلة. فكانت وظيفتها أن تستقرّ على حكاية سردية واحدة وتكملها حتى النهاية.

تُظهر الانحرافات المفاجئة والحواشي الممتعة التي يقدمها مكالوخ تقريبًا لكل تفصيل وحكاية، فإنّ الأسلوب غير الخيالي يسمح بإعطاء أكثر من طريقة لسير الأحداث. إذًا، بينما يكون ولاء الروائي هو للقصة أولًا، ثم إلى نظرته للطبيعة البشرية، ينبغي على المؤرخين أن يعطوا الأولوية للحقيقة.
 
وجهة نظر تعديلية
ثمة مصدر مشترك استخدمه المؤلفان، هو عمل جيفري إلتون، الذي اعترف في "ثورة تيودور في الحكومة" أن كرومويل كان اللاعب الرئيس في عصره السياسي.

من السهل أن ننسى أن الصورة المثيرة للإعجاب التي قدّمها مكالوخ ومانتل عن كرومويل هي في حد ذاتها وجهة نظر تعديلية. ادّعت الموسوعة البريطانية أنسايكلوبيديا بريتانيكا في عام 1911 أن سلطة كرومويل كان مبالغًا فيها.

لوقت طويل، اعتبر الموالون لـ"مور" أن بطلهم الأقدس يتناقض مع كرومويل الحقير الجشع، ويمكن تذكّر ذلك خاصّة في مسرحية روبرت بولت "رجل لكل الفصول". ويجري الكتاب حوارًا موسعًا مع روايات مانتل وأعمال إلتون.

إنّ الوصف الحماسي الذي كتبته "مانتل" على غلاف الرواية يعلن أنّ هذه هي "السيرة الذاتية التي انتظرناها منذ 400 عام". هي نفسها تأخذ معظم الفضل في رواج كرومويل. مع ذلك، فالكتاب يقول شيئًا عن غموض الرجل وغموض التاريخ، إلى درجة أنه حتى مع أبحاث مكالوخ الشاملة - إضافة إلى أكثر من ألف صفحة صاغتها مانتل حتى الآن - يبدو كرومويل، الدائم الغموض، صعب المنال.
 
أعدّت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/books-and-arts/2018/10/20/thomas-cromwell-in-fact-and-fiction?frsc=dg%7Ce
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات